رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قُتل والقضية ضد مجهول.. أسرار نيازي مصطفى من أزمات إلى لغز النهاية الغامضة

إيجبتكِ

تحل اليوم 19 أكتوبر ذكرى رحيل المخرج المصري نيازي مصطفى، أحد أبرز رواد الإخراج السينمائي، الذي امتدت مسيرته لعقود، وترك خلالها عشرات الأفلام التي تنوعت بين الكوميديا والدراما الاجتماعية والأكشن والمغامرات. لكن حياة صاحب «سر طاقية الإخفاء» لم تخلُ من الأزمات والخلافات، سواء داخل الوسط الفني أو في حياته الشخصية، قبل أن تنتهي بصورة مأساوية مع جريمة قتل غامضة ظلت مقيدة ضد مجهول.

وبين أعمال صنعت مكانته السينمائية، ومواقف أثارت الجدل في زمنها، تظل سيرة نيازي مصطفى حافلة بمحطات تستحق التوقف عندها، خصوصًا أن بعض تفاصيل حياته ارتبطت بأحداث لم تُحسم جميع جوانبها حتى الآن.

«مصنع الزوجات».. فيلم أثار الجدل حول تحرير المرأة

من أبرز الأزمات التي ارتبطت باسم نيازي مصطفى الجدل الذي صاحب فيلم «مصنع الزوجات»، الذي تناول قضية المرأة وحقوقها، في وقت كانت فيه بعض الأفكار المطروحة حول استقلال المرأة ومشاركتها في الحياة العامة محل خلاف مجتمعي.

ووفقًا لما أوردته تقارير صحفية عن الفيلم، واجه العمل حملات انتقاد، ووصل الأمر إلى تنظيم مظاهرات نسائية اعتراضًا على ما اعتبره معارضون دعوة إلى تحرير المرأة وممارسة حقوقها السياسية. ويعكس هذا الجدل طبيعة الصدام الذي قد تواجهه الأعمال الفنية عندما تطرح قضايا اجتماعية تتجاوز المألوف في زمنها.

وبعيدًا عن الجدل الذي أحاط بالفيلم، فإن استعادة هذه المحطة تكشف جانبًا من اختيارات نيازي مصطفى الفنية، الذي لم يقتصر اهتمامه على الكوميديا والتسلية، بل اتجه أيضًا إلى موضوعات اجتماعية كانت تثير نقاشًا واسعًا بين الجمهور.

خلاف مع نجيب الريحاني عطّل «سي عمر»

لم تخلُ مسيرة نيازي مصطفى من الخلافات المهنية، إذ شهد تعاونه مع الفنان نجيب الريحاني في فيلم «سي عمر» خلافًا حول السيناريو وتدخلات في تفاصيل العمل، بحسب ما نشرته تقارير صحفية عن كواليس الفيلم.

وتشير الروايات المنشورة إلى أن الخلاف تسبب في تعطيل التصوير فترة طويلة، وصلت إلى نحو عام ونصف العام، كما تولى نيازي مصطفى تصوير النصف الأول من العمل، قبل أن تتغير ظروف استكماله.

وكان نيازي قد بدأ مشواره الإخراجي بفيلم «سلامة في خير» عام 1937، بطولة نجيب الريحاني، وشارك في العمل كذلك في مهام فنية أخرى. وقد شكّل الفيلم بداية مهمة في علاقته بالسينما، قبل أن تتوالى تجاربه مع عدد كبير من النجوم.

وتكشف هذه الواقعة أن العمل السينمائي في تلك المرحلة لم يكن يخلو من التباينات بين المخرجين والنجوم بشأن الرؤية الفنية، لكنها لا تختصر علاقة نيازي مصطفى بالوسط الفني، التي شهدت أيضًا تعاونات بارزة وأعمالًا بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور.

حياته الشخصية.. زواج من كوكا ونعمت مختار

على المستوى الشخصي، ارتبط نيازي مصطفى بالفنانة كوكا، التي اشتهرت بأدوار الفتاة البدوية، وكانت زميلته في استوديو مصر قبل أن تتحول علاقة العمل إلى زواج. واستمرت علاقتهما سنوات طويلة، ولم يُرزقا بأطفال.

وتذكر روايات صحفية أنه تزوج لاحقًا من الراقصة نعمت مختار، ثم انتهى هذا الزواج بالانفصال، قبل أن يعود إلى كوكا ويظل إلى جوارها حتى وفاتها عام 1979، بعد معاناتها مع المرض.

وظلت علاقته بكوكا إحدى المحطات المعروفة في سيرته، خصوصًا أن الفنانة كانت صاحبة حضور مميز في السينما المصرية، كما ارتبط اسمها بأدوار ذات طابع بدوي، وهي صورة فنية التصقت بها لدى قطاعات من الجمهور.

ولا تتوافر، في المصادر الصحفية المتاحة، أدلة كافية تسمح بربط تفاصيل حياته العاطفية أو خلافاته الشخصية بجريمة مقتله؛ لذلك تبقى هذه الوقائع منفصلة عن أي استنتاجات بشأن دوافع الجريمة.

 لغز مقتل نيازي مصطفى.. جريمة لم يُكشف مرتكبها

تبقى جريمة مقتل نيازي مصطفى أكثر المحطات غموضًا في حياته. ففي أكتوبر عام 1986، عُثر عليه مقتولًا داخل شقته، في واقعة أثارت صدمة داخل الوسط الفني، خاصة أنه كان يواصل نشاطه السينمائي ويستعد لاستكمال فيلم «القرداتي».

ووفقًا لما نشرته الصحف عن التحقيقات، كان طباخه أول من اكتشف الجريمة، بعدما عثر عليه داخل غرفة نومه مكبل اليدين، مع وجود إصابات قطعية، وقطعة قماش في فمه. كما نشرت تقارير صحفية لاحقًا روايات عن أقوال جارة المخرج، التي تحدثت عن سماع أصوات حركة وارتطام داخل الشقة، ثم سماع بابها يُفتح ويُغلق سريعًا.

ورغم ما أثير من روايات وتكهنات حول احتمال وجود خلافات فنية أو شخصية، لم تسفر التحقيقات عن تحديد الجاني بصورة نهائية. ووفقًا لما توثقه «ذاكرة مصر المعاصرة» بمكتبة الإسكندرية، قرر النائب العام في 16 يناير 1987 حفظ التحقيق وقيد القضية ضد مجهول، لعدم التوصل إلى دليل أو قرينة ضد شخص بعينه.

وبذلك، بقيت تفاصيل الجريمة غير محسومة، ولم يتحول ما تداولته الصحف من احتمالات إلى حقائق قضائية مثبتة. كما أن توقيت الجريمة، بالتزامن مع عمله على «القرداتي»، أضاف إلى الحكاية جانبًا مأساويًا، لكنه لا يثبت وجود علاقة بين الفيلم ومقتله.

من «سلامة في خير» إلى «رصيف نمرة 5».. أعمال صنعت اسمه

بعيدًا عن الأزمات، ارتبط اسم نيازي مصطفى بمجموعة من الأفلام التي تنتمي إلى مراحل وأنواع مختلفة من تاريخ السينما المصرية. بدأ رحلته الإخراجية مع «سلامة في خير»، ثم قدم «سي عمر» و«مصنع الزوجات»، قبل أن يواصل العمل في أفلام متنوعة تجمع بين الكوميديا والدراما والمغامرات.

ومن أبرز أعماله «سر طاقية الإخفاء»، الذي ظل حاضرًا في ذاكرة أجيال من المشاهدين، و«عنتر بن شداد»، و«أبو حديد»، و«رصيف نمرة 5»، و«تاكسي الغرام»، و«شياطين الجو»، إلى جانب «فتوات الحسينية» و«قمر 14».

كما شارك في كتابة بعض الأعمال، وعمل في المونتاج والتصوير والمؤثرات البصرية، وهو ما يعكس تعدد أدواره داخل صناعة الفيلم، وعدم اقتصار تجربته على الإخراج وحده. وقد منحته كثافة إنتاجه وتنوع أفلامه مكانة بارزة بين مخرجي جيله، حتى أطلق عليه لقب «شيخ المخرجين».

أما «القرداتي»، فارتبط اسمه بآخر مراحل حياته، إذ رحل قبل أن يشاهد الفيلم في دور العرض، وفقًا لما أوردته الصحافة المصرية عن سيرته.

نيازي مصطفى.. إرث فني ولغز باقٍ

في ذكرى رحيله، تبدو سيرة نيازي مصطفى أكبر من حكاية جريمة غامضة؛ فهي سيرة مخرج تنقل بين أنماط سينمائية مختلفة، وقدم أعمالًا ظلت معروفة لدى الجمهور، وخاض تجارب أثارت نقاشًا اجتماعيًا، وشهدت مسيرته خلافات مهنية مثل غيره من صناع السينما.

وبين الجدل الذي صاحب بعض أفلامه، والخلافات التي تناولتها الروايات الصحفية، والحياة الشخصية التي حظيت باهتمام الجمهور، يبقى مقتل نيازي مصطفى أكثر فصول حكايته غموضًا. ومع غياب حسم قضائي يحدد مرتكب الجريمة، يظل إرثه الفني هو الجانب الأوضح والأكثر ثباتًا في مسيرته، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بنهايته بلا إجابات نهائية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء