يمثل إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي بعدم المساس بالدستور وخاصة النصوص المنظمة للفترات الرئاسية تحولاً لافتاً ومفاجأة سياسية للرأي العام، حيث يُنظر إلى هذا القرار كخطوة غير مسبوقة تضع نهاية للتكهنات، وتؤسس لسابقة تاريخية في مصر والمنطقة العربية عبر الانتقال الطوعي والسلمي للسلطة احتراماً للدستور
فعلى مدى العقود الماضية، ارتبط انتقال السلطة في مصر بظروف استثنائية قاهرة، سواء بالوفاة في المنصب أو بالإطاحة عبر الاحتجاجات والأزمات فضلا عن الاغتيالات، ومن ثم فإن اتخاذ قرار مسبق بالتنحي والتداول الطوعي للسلطة يحمل شجاعة سياسية يحسد عليها الرئيس السيسي
وفي الوقت نفسه يحقق القرار توازنا بين إدارة الدولة حتى نهاية الفترة الرئاسية 2030 وتخليص الإرث السياسي من السعي لخلود سلطوي اعتاد عليه العرب عامة، ومن شأنه أن يمحو أي انطباعات سالبة عن القيادة، ويحفظ لها مكانتها في سجلات التاريخ
لقد منح الرئيس السيسي المصريين خيار الانتقال السلمي للسلطة وتبقى الكرة الآن في ملعب الشعب للحفاظ عليه، إن إرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة هو هدية سياسية وثمرة لمسار طويل، لكن نجاح هذا العهد الجديد يضع مسؤوليته التاريخية على عاتق الشعب المصري والقوى الوطنية
كما أن المحافظة على هذا المكتسب الدستوري يتطلب وعياً شعبياً يضمن حماية التداول السلمي، ومشاركة فاعلة في صنع القرار، وتحويل هذا المبدأ إلى ثقافة سياسية راسخة لا تراجع عنها في مستقبل الوطن
وتعتبر هذه الخطوة حجر الأساس لخلق ثقافة سياسية جديدة لبناء دولة مؤسساتية قوية ذات إرادة شعبية مستقلة، كما تمثل الأمل في تغيير القيادة عبر الآليات الدستورية كصمام أمان اجتماعي يمتص الاحتقان الناجم عن الأزمات الاقتصادية، ويمنح الشارع قدرة أكبر على الصبر والتعامل مع التحديات الحالية، مدفوعاً بوعي تام بأن صندوق الاقتراع هو الفيصل
كما يأتي القرار تهيئة للبيئة السياسية وإعادة لروح للحياة الحزبية، وفتح باب التداول بين الأحزاب والقوى السياسية لإعادة ترتيب صفوفها، وإعداد كوادرها، وتقديم برامج واقعية للمنافسة
كما أن هذا الانتقال المؤسسي المنظم من شأنه أن يرسل رسائل طمأنة للمؤسسات الاقتصادية والمستثمرين بأن الاستقرار يستند إلى مؤسسات ودستور حاكم وليس إلى أشخاص، وهو ما يرفع الثقة في البيئة الاستثمارية طويلة الأمد
ولتحقيق هذا التحول بنجاح، تتطلب المرحلة الانتقالية التزاماً صارماً بعدم إدخال تعديلات جديدة على فترات الرئاسة، مع تمكين الهيئة الوطنية للانتخابات كجهة مستقلة تحت إشراف قضائي ومجتمعي شامل، وفتح المجال العام لتكافؤ الفرص الإعلامية بين جميع المرشحين، وضمانات الاستقرار والمشاركة الشعبية الشاملة
إن التخطيط لضمان استمرارية مؤسسات الدولة وتأمين المسار الاقتصادي بمعزل عن التجاذبات الانتخابية يُعد ضمانة جوهرية لنجاح هذا المسار، ويتعزز ذلك بتبني مفهوم "دولة المؤسسات" حيث تلتزم الحكومات المتعاقبة بالخطط الاستراتيجية القومية مع امتلاك المرونة لتعديل السياسات التنفيذية
وتبقى المشاركة الشعبية الواعية هي الضمانة الأهم لنزاهة العملية الانتخابية وحمايتها؛ إذ إن إقبال المواطنين على صناديق الاقتراع هو ما يمنح القيادة الجديدة الشرعية المطلوبة لمواجهة التحديات، ويُحوّل خيار الانتقال السلمي للسلطة من مجرد قرار سياسي إلى واقع مجتمعي دائم يضمن استقرار مصر ومستقبل أجيالها