للتعليم في مصر مشكلة أخطر من نقص بعض المناهج، وأعمق من تغيير نظام امتحان، وأكبر من الجدل حول الثانوية العامة أو البكالوريا أو عدد سنوات الدراسة. إنها مشكلة الاستمرارية المؤسسية. كم مرة استيقظ المجتمع على نظام جديد؟ وكم وزيرًا جاء ومعه رؤية مختلفة؟ وكم مشروعًا بدأ بحماس، ثم اختفى بتغير القيادة؟ وكم مرة أعدنا بناء ما سبق أن بدأنا بناءه؟ في الإدارة هناك فرق هائل بين أن تغير المؤسسة أدواتها، وبين أن تغير اتجاهها كله كل بضع سنوات. الأولى تطوير، والثانية استنزاف. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نناقشه اليوم ليس من هو وزير التعليم الأفضل؟ بل كيف نبني سياسة تعليمية لا تتوقف حياتها على اسم الوزير أصلًا؟
حين نتحدث عن إنشاء مفوضية للتعليم أو مجلس أعلى دائم للسياسات التعليمية، فقد يبدو الأمر كأننا نقترح مؤسسة جديدة. لكن الحقيقة أن مصر قطعت الخطوة القانونية بالفعل. ففي 8 ديسمبر 2024 صدر القانون رقم 163 لسنة 2024 بإنشاء المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار، ونُشر في الجريدة الرسمية. وينص القانون على إنشاء مجلس يتبع رئيس الجمهورية، ويرأسه رئيس مجلس الوزراء، ويضم الوزراء والجهات المعنية وخبراء متخصصين ورجال أعمال. ومن بين أهدافه وضع السياسات العليا للدولة في التعليم بجميع أنواعه ومراحله، وتحقيق التكامل بينها، ومتابعة التنفيذ، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل المحلي والدولي، فضلًا عن وضع الاستراتيجية الوطنية والخطط والبرامج الخاصة بالتعليم والبحث والابتكار. إذن لسنا في حاجة إلى اختراع اسم جديد، لدينا المؤسسة ولدينا القانون. ويبقى السؤال الأصعب: هل نستطيع تحويلها إلى عقل استراتيجي دائم للدولة المصرية؟
ليست المشكلة في الأشخاص بالضرورة، فالوزير الجديد يأتي عادة راغبًا في إثبات أنه يفعل شيئًا مختلفًا، والمجتمع ينتظر منه إعلانًا جديدًا، والإعلام يبحث عن عنوان جديد. فتنشأ ضغوط غير معلنة تدفع كل قيادة إلى أن تترك بصمتها. مرة نغير نظام الامتحانات، ومرة نغير شكل الثانوية، ومرة نعيد توزيع المواد، ومرة ندخل مسارًا ونلغي آخر. وقد تكون بعض هذه التغييرات صحيحة في ذاتها، لكن التعليم لا يمكن أن يدار بمنطق الموسم الوزاري. فالطفل الذي يدخل المدرسة اليوم سيظل داخل منظومة التعليم نحو ستة عشر عامًا قبل تخرجه الجامعي، فكيف يمكن إذن أن نصمم تعليمه بسياسة عمرها سنتان؟
إذا بنيت مصنعًا بطريقة خاطئة، تستطيع تعديل خط الإنتاج. لكن إذا أخطأت في تعليم جيل كامل، فقد تحتاج عشرين سنة حتى تظهر النتائج، وعشرين أخرى حتى تعالجها. ولهذا تتميز الدول التي نجحت في التعليم بقدرتها على الفصل بين الاستراتيجية طويلة الأجل والإدارة اليومية للوزارة. الحكومة تدير والوزارة تنفذ، لكن الأهداف الكبرى لا تعاد كتابتها من الصفر كلما تغير الوزير. وتشير تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مجال حوكمة التعليم إلى أهمية تحديد أهداف وطنية واضحة وقابلة للقياس، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، وإشراك أصحاب المصلحة، ووضع نظم مستقرة لضمان الجودة والمتابعة. وهذه ليست تفاصيل إدارية، إنها البنية التي تجعل الإصلاح يستمر. وتجربة فنلندا تقدم نموذجاً واضحاً من خلال مركز مستقل لتقييم التعليم يضمن أن الوزير لا يقيم نفسه، وأن الجهة التي تضع النتيجة ليست هي التي تريد إثبات نجاح المشروع.
إذا أردنا أن يؤدي المجلس الوطني للتعليم والبحث والابتكار وظيفته التاريخية، فهناك سبع ضمانات أساسية تبدأ بضرورة وضع استراتيجية تعليم قومية لعشرين عامًا تتضمن مؤشرات لا لبس فيها لمستوى القراءة والحساب والتسرب وكثافة الفصول وكفاءة المعلم والمهارات الرقمية وسوق العمل. والضمانة الثانية هي أن ما يتغير هو الوسيلة لا الغاية، بحيث يبتكر الوزير داخل إطار قومي يحافظ على الأهداف الكبرى.
والضمانة الثالثة تتمثل في عدم وجود إصلاح كبير بلا دراسة أثر مسبقة تجيب عن الجدوى والتكلفة والأثر على الفقراء والدروس الخصوصية. والضمانة الرابعة هي أن يبدأ كل مشروع تعليمي كبير تجريبيًا في عدد محدود من المحافظات قبل تعميمه. والضمانة الخامسة هي إصدار تقرير سنوي مستقل بعنوان حالة التعليم في مصر يقيس التحسن والتراجع بشفافية تامة أمام المجتمع. والضمانة السادسة تتعلق بعضوية الخبراء بحيث لا تتزامن كلها مع عمر الحكومة لكي تحتفظ المؤسسة بذاكرتها الطويلة. والضمانة السابعة والأخيرة هي أن يُحاسب الوزير على تنفيذ الاستراتيجية لا على اختراع استراتيجية جديدة، لتصبح الأرقام المستقلة هي المعيار الحقيقي لنجاحه.
لا ينبغي أن يتحول المجلس الوطني إلى وزارة فوق الوزارات، فإذا بدأ في إدارة التفاصيل اليومية فسيفشل. وظيفته ليست اختيار الكتاب المدرسي ولا جدول الحصص ولا نقل مدير مدرسة، بل وظيفته أعلى بكثير تتمثل في تحديد الاتجاه وحماية الاستراتيجية ومراجعة النتائج والتأكد من التنسيق بين مختلف مراحل التعليم والبحث العلمي وسوق العمل، ليظل مجلس قيادة استراتيجية لا جهاز إدارة تشغيلية.
في المحاسبة والإدارة نعرف مفهوم البدء من الصفر والموازنة الصفرية، لكن التعليم لا يحتمل أن نطبق عليه فلسفة إعادة البناء من الصفر مع كل مسؤول جديد يترك أثراً سلبياً على الطالب والمعلم والأسرة والجامعات وسوق العمل. الاستمرارية لا تعني الجمود، فإذا أثبت الدليل أن سياسة ما فشلت يجب تغييرها، لكن الفارق هائل بين التغيير بسبب الدليل والتغيير بسبب تغير المسؤول. وعندما يصبح هذا المبدأ حقيقة، سنكون قد انتقلنا من إدارة التعليم إلى بناء دولة التعليم الفعلي.