رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صاحب المقام الرفيع في تاريخ الفن المصري، الفنان الذي جمع بين سحر الصوت، ورقي الأداء، وثراء الثقافة، وامتلك قدرة نادرة على أن يمنح الكلمة روحًا، والشخصية ملامح لا تُنسى. من إلقاء الشعر إلى التمثيل، ومن أدوار العاشق إلى الشخصيات المركبة، ظل يعرف قيمة ما يقدمه، ويحترم عقل جمهوره ووجدانه.

 

إنه محمود ياسين، الذي أعود إليه في هذا المقال، لا لأستعرض ذكراه فحسب، بل لأتوقف أمام فن يستحق أن يُروى بحب، ويُقرأ بتقدير، ويظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال.

 

لم أجد سهولة في الكتابة عن محمود ياسين؛ فأنا مؤمنة تمامًا بأن الحديث عن فنان بحجمه يحتاج إلى مجلدات كي يأخذ حقه من التوثيق والتقدير. وربما كان هذا الإحساس بالعجز هو ما جعلني أتردد من قبل في الكتابة عن الراحل نور الشريف. لكنني قررت هذه المرة أن أخوض التجربة، مستعينة بذاكرتي الطفولية وبما تركته أعمال محمود ياسين في نفسي، لأتوقف عند محطات تكشف عن موهبته الكبيرة، وذكائه في اختيار أدواره، وقدرته الاستثنائية على التنوع والإقناع.

 

وأنا طفلة، كنت أعتقد أن محمود ياسين هو الضابط الذي أراه على الشاشة، وليس مجرد ممثل يؤدي دورًا. ففي فيلم «الوفاء العظيم» ارتبط في ذاكرتي بشخصية الرائد صفوت، وفي «الرصاصة لا تزال في جيبي» بشخصية محمد. كان أداؤه مقنعًا إلى درجة جعلتني أرى الشخصية نفسها، لا الفنان الذي يقف خلفها، وكأنني أمام ضابط حقيقي يعيش الأحداث، لا ممثل يجسدها.

 

وكانت هذه الصورة تترسخ أكثر عندما أراه في احتفالات انتصارات أكتوبر، يشارك في الاحتفالات ويقدم فقراتها، بصوته الذي يحمل نبرة خاصة يصعب نسيانها.

 ومن الذكريات التي بقيت في وجداني مشاركته الشعرية المصاحبة لغناء وردة لمصر، في العمل الذي ارتبط بذاكرة جيلنا وأجواء الاحتفالات الوطنية. كنا نسمع هذه الأعمال في المدارس، وكان إلقاء محمود ياسين حاضرًا في ذاكرتنا؛ حتى إن تقليد طريقته في الإلقاء لم يكن أمرًا سهلًا على أي طالب يحاول أداء الأبيات نفسها. لم يكن صوته مجرد وسيلة لإلقاء الكلمات، بل كان يمنحها إحساسًا وقوة تجعلها تصل إلى القلب قبل الأذن.

 

ولم يكن حضوره مقصورًا على الأدوار الوطنية أو الشخصيات القوية، فقد امتلك وجهًا آخر لا يقل تميزًا، وهو الوجه الرومانسي الذي جمعه بالفنانة نجلا فتحي، في واحد من أنجح الثنائيات التي عرفتها السينما المصرية. وفي أفلام مثل «اذكريني» و«رحلة النسيان» و«بدور»، ترك الاثنان بصمة واضحة، ونجحا في تقديم قصص حب بقيت في ذاكرة الجمهور.

 

كانت رومانسية محمود ياسين هادئة وصادقة، بعيدة عن المبالغة وافتعال المشاعر. كان يعرف كيف يعبّر عن الشوق بنظرة، أو بنبرة صوت، أو بصمت في اللحظة المناسبة، فلا يحتاج إلى انفعال زائد كي يقنعك بما تشعر به الشخصية. وهذه القدرة على التعبير باحترام وصدق هي ما جعلت كثيرًا من مشاهده العاطفية قريبة من وجدان المشاهد، وما منح ثنائيته مع نجلا فتحي مكانتها الخاصة.

 

ومن بين الأعمال التي تكشف عن جانب مختلف من موهبته فيلم «الأخرس»، ففي المشاهد التي يعجز فيها عن الكلام أو يحاول الاستغاثة، يصبح الوجه والعينان والحركة أدواته الأساسية في التعبير. كان قادرًا على نقل الخوف والارتباك والألم من دون الاعتماد على الحوار، فتصل مشاعر الشخصية إلى المشاهد من خلال تفاصيل بسيطة، لكنها محسوبة ومؤثرة. وهنا تظهر قيمة الممثل الذي يدرك أن الأداء لا يتوقف عند الكلمات، بل يبدأ أحيانًا من لحظة صمت.

 

ومع الفنانة نيللي، قدّم محمود ياسين تجارب متنوعة، من بينها «العذاب امرأة» و«الوهم» و«مع تحياتي لأستاذي العزيز». والأخير من الأعمال التي تستحق التوقف عندها، فقد جسّد فيه شخصية مدرس الموسيقى بخفة ظل وحضور كوميدي مختلف، وأثبت أنه قادر على الانتقال من الرومانسية والدراما إلى الكوميديا من دون أن يفقد خصوصيته. وقد ارتبط اسمه بإنتاج الفيلم أيضًا، في دلالة على إيمانه بالعمل الذي يشارك فيه، وحرصه على تقديم تجربة تحمل قيمة فنية.

 

وهذا التنوع لم يكن مجرد انتقال بين أنواع مختلفة من الأدوار، بل كان دليلًا على أن محمود ياسين لم يحبس نفسه في صورة واحدة، ولم يسمح لنجاح شخصية بأن يفرض عليه تكرارها. كان يختار ما يراه مناسبًا، ويمنح كل دور مساحته، وهو ما جعل مشواره غنيًا بالتجارب التي يصعب اختزالها في نوع واحد من الأداء.

 

وفي فيلم «انتبهوا أيها السادة»، قدّم شخصية عنتر، عامل النظافة الذي تتغير معاملة الناس له بعد أن يصبح ثريًا. ومن خلال هذه الشخصية، يضع العمل أمام المشاهد مفارقة اجتماعية واضحة: كيف يمكن للمال أن يغيّر نظرة الآخرين إلى الإنسان، حتى عندما لا يتغير جوهره؟ وقد منح محمود ياسين الشخصية حضورها من دون أن يحوّل الفكرة إلى خطاب مباشر، تاركًا للمواقف أن تكشف تناقضات المجتمع.

 

أما في الدراما التلفزيونية، فقد ترك حضوره في أعمال مثل «أخو البنات» و«سوق العصر»، الذي جسّد فيه شخصية حلمي عسكر. وكان قادرًا على جذب الانتباه حتى وسط مجموعة كبيرة من الفنانين، من خلال أدائه المتزن وفهمه لطبيعة الشخصية، لا بمجرد الاعتماد على مكانته أو صوته المعروف.

 

وفي السينما، جاءت مشاركته في فيلم «الجزيرة» لتؤكد أن قيمة الممثل لا ترتبط بمساحة ظهوره وحدها. فقد جسّد شخصية علي الحفني، والد شخصية أحمد السقا، ورغم أنه لم يكن بطل الفيلم، فإن دوره كان محوريًا، وحضوره فرض ثقله داخل الأحداث. وهذه واحدة من علامات الممثل المتمكن؛ أن يترك أثرًا واضحًا حتى عندما لا يكون هو محور البطولة.

 

ولا يمكن الحديث عن تنوعه من دون الإشارة إلى «اللقاء الثاني»، ضمن مشوار امتد بين السينما والتلفزيون، وضم أعمالًا متعددة ترك فيها بصمته الخاصة.

 فمحمود ياسين لم يكن فنانًا يمر على الأدوار مرورًا عابرًا، بل كان يمنح الشخصية ما تحتاج إليه من إحساس وحضور، ويترك للمشاهد تفصيلة تستقر في ذاكرته.

 

وامتدت تجربته إلى الإنتاج أيضًا، فارتبط اسمه بأعمال من بينها «جلسة سرية» و«مع تحياتي لأستاذي العزيز» و«قشر البندق». وفي «قشر البندق»، برز كذلك جانب مهم من تجربته، وهو إتاحة الفرصة لوجوه شابة كي تظهر وتشارك في العمل. فالإنتاج مسؤولية تتجاوز الظهور أمام الكاميرا؛ إنه إيمان بفكرة، واختيار لفريق، ومشاركة في صناعة تجربة يمكن أن تمنح آخرين فرصة للانطلاق.

 

وهذا الجانب يضيف إلى صورته الفنية بُعدًا آخر؛ فقد كان ممثلًا يعرف قيمة الدور الذي يؤديه، ومنتجًا يتحمل مسؤولية العمل الذي يختار دعمه. لم تكن المسألة مجرد اسم كبير يوضع على الملصق، بل علاقة بما يقدمه العمل من مضمون، وما يمكن أن يضيفه إلى الحركة الفنية.

 

وعندما أتأمل مشوار محمود ياسين، أجد أن ثقافته الواسعة وإجادته للغة العربية لم تكونا منفصلتين عن أدائه، بل كانتا جزءًا أصيلًا من تكوينه. صوته المميز، وطريقته في نطق الكلمات، وقدرته على ضبط انفعالاته، كلها عناصر اجتمعت لتمنحه حضورًا لا يشبه غيره. ومع ذلك، لم يكن أسير هذا الحضور؛ فقد عرف كيف ينوّع أدواره، ويغيّر أدواته، ويقترب من شخصيات مختلفة من دون أن يفقد صدقه.

 

ولهذا أراه واحدًا من الفنانين القلائل جدًا الذين يصعب أن يكون لهم بديل حقيقي. ليس انتقاصًا من موهبة أي فنان آخر، وإنما لأن اجتماع الثقافة والصوت والحضور والاختيار الواعي للأدوار في شخصية واحدة أمر نادر. فالموهبة وحدها لا تصنع هذه البصمة، وإنما تصنعها أيضًا الخبرة، والوعي، واحترام العمل والجمهور.

 

وربما لهذا السبب تحديدًا، ما زلت أعود إلى أعماله بذاكرة الطفلة التي صدّقت أنه الضابط الذي تراه على الشاشة، وبعين الإعلامية التي تدرك اليوم أن وراء هذا الإقناع موهبة حقيقية وثقافة وخبرة واختيارات صنعت مشوارًا استثنائيًا. وبين الذاكرتين، تبقى قيمة محمود ياسين حاضرة؛ فالفنان الحقيقي لا يترك لنا أدوارًا نتذكرها فقط، بل يترك مشاعر ومواقف وصورًا تظل حية مهما مرت السنوات.

 

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، حين أعود إلى أعمال محمود ياسين، أجد فنانًا جمع بين الموهبة والثقافة والإحساس، وترك شخصيات لا تزال قادرة على التأثير فينا. أما تقييمي الشخصي، فمهما حاولت أن أمنحه من درجات، ستظل مسيرته أكبر من أي تقييم، بما تحمله من ثراء فني يستحق تقديرًا استثنائيًا.

 

رحل محمود ياسين، لكن أدواره ما زالت حاضرة في وجداننا. رحل تاركًا مشوارًا يستحق العودة إليه، لا بوصفه صفحة من الماضي، بل باعتباره جزءًا أصيلًا من تاريخ السينما والدراما المصرية، وسيبقى في ذاكرتي وذاكرة فنه ومحبيه نموذجًا للفنان الذي جمع بين الموهبة والثقافة والصدق في الأداء، والفنان كما يجب أن يكون.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء