طارق العكاري يحذر: تزييف التاريخ أخطر تهديد للأمن القومي المصري
أكد العميد الدكتور طارق العكاري، المتخصص في الدراسات الاستراتيجية والاقتصاد العسكري، خلال لقائه على قناة «إكسترا نيوز»، أن القوات المسلحة المصرية تمثل درع الشعب وحصن الدولة، مشيرًا إلى وجود روابط بين تجربتي عامي 1973 و2013، رغم اختلاف طبيعة التحديات في كل منهما.
وأوضح العكاري أن القوات المسلحة كان لها دور محوري في استعادة الأرض بعد عام 1967، كما استعاد الشعب المصري، بدعم من القوات المسلحة، الدولة من حكم جماعة الإخوان المسلمين عام 2013، وفقا لتقييمه للأحداث.
وأشار إلى أن رسائل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة تناولت محطات تاريخية مهمة، وربطت بين التجارب السابقة والتحديات الراهنة.
ووصف العكاري كلمة الرئيس بأنها من الكلمات التي تميزت بالصراحة والوضوح، لافتًا إلى أن استعراض الوقائع والحكايات التاريخية منح الرسائل المطروحة بُعدًا توعويا، خاصة فيما يتعلق بحماية الهوية المصرية والحفاظ على وحدة المجتمع.
الوعي الوطني ومواجهة محاولات تزييف التاريخ
وأشار العكاري إلى أن من أبرز الرسائل التي توقف عندها في حديث الرئيس السيسي التحذير من محاولات تزييف التاريخ وتشويه الذاكرة الوطنية، مؤكدًا أن التشكيك في الإنجازات التاريخية، وفي مقدمتها انتصار أكتوبر 1973، قد يؤثر في وعي الأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الأحداث.
وأضاف أن تقديم التاريخ بصورة مشوهة قد يؤدي إلى إضعاف ثقة الشباب في قدرات وطنهم وإنجازات الأجيال السابقة، وهو ما يجعل نشر الحقائق التاريخية وتعزيز الوعي الوطني ضرورة لحماية الهوية المصرية.
وأوضح أن بناء الوعي لا يقتصر على استعراض الأحداث، بل يتطلب شرح سياقاتها وتقديم الحقائق للأجيال الجديدة بصورة واضحة، بما يساعدها على التمييز بين المعلومات الموثقة والروايات التي تستهدف التشكيك في التاريخ الوطني.
تجربة الخدمة العسكرية ودورها في بناء الوعي
ولفت العكاري إلى الدور الذي تؤديه الخدمة العسكرية في تشكيل وعي المجندين، موضحًا أن الاحتكاك المباشر بالمؤسسات العسكرية والتعرف على الحقائق والتجارب الوطنية يسهمان في تغيير طريقة تفكير الشباب وتعزيز إدراكهم لمسؤولياتهم تجاه الدولة.
وأشار إلى أن التجربة العسكرية لا تقتصر على التدريب والانضباط، وإنما تمتد إلى ترسيخ مفاهيم الانتماء والمسؤولية الوطنية، مؤكدًا أن أثرها يمكن أن ينعكس على وعي الشباب بعد انتهاء فترة خدمتهم.
دروس 1973 و2013 واختلاف طبيعة التحديات
وفي تحليله لأوجه التشابه والاختلاف بين عامي 1973 و2013، أوضح العكاري أن التحدي العسكري في حرب أكتوبر كان واضح المعالم، إذ واجه الجيش المصري جيشًا معاديًا في معركة تقليدية تتحدد فيها الأطراف ووسائل المواجهة.
أما التحديات التي شهدتها مصر خلال عام 2011 وما تلاه، بحسب رؤيته، فقد اتسمت بالتعقيد، نتيجة التداخل بين الأوضاع السياسية والاجتماعية، وصعوبة التمييز بين المواقف المختلفة في ظل تصاعد الاستقطاب.
وأكد أن التعامل مع هذه التحديات كان يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة، خصوصًا مع مخاطر الانقسام المجتمعي واحتمالات اندلاع صراعات داخلية، مشددًا على أهمية الوعي الشعبي في الحفاظ على استقرار الدولة ووحدتها.
الذاكرة الوطنية وحماية الأجيال الجديدة من التضليل
وتطرق العكاري إلى أهمية الذاكرة المجتمعية في مواجهة محاولات التضليل، معتبرًا أن الحفاظ على الرواية التاريخية الموثقة يمثل أحد عناصر حماية الأمن الوطني.
وضرب مثالًا بمعركة المنصورة الجوية التي وقعت خلال حرب أكتوبر، مشيرًا إلى أن إحياء ذكرى المعركة واستعراض تفاصيلها وشهادات المشاركين فيها يساعدان على تعريف الأجيال الجديدة بحجم التضحيات والإنجازات التي قدمتها القوات المسلحة.
وأوضح أن الاحتفاء بالمناسبات الوطنية ينبغي أن يرتبط بتقديم المعلومات التاريخية الدقيقة، وإبراز شهادات المشاركين والوثائق المتاحة، حتى لا تتحول الأحداث المهمة إلى مجرد روايات متداولة من دون تدقيق أو توثيق.
الأمن القومي لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود
وأكد العكاري أن مفهوم الأمن القومي ثابت في جوهره، لكن متطلبات الحفاظ عليه أصبحت أكثر اتساعًا وتعقيدًا، ولم تعد تقتصر على حماية الحدود أو امتلاك الأسلحة وتطوير قدرات القوات المسلحة.
وأوضح أن الأمن القومي الحديث يرتبط بقدرة مؤسسات الدولة المختلفة على العمل بكفاءة في أوقات الأزمات والحروب، بما يشمل تأمين إمدادات الوقود اللازمة لمحطات الكهرباء، وتوفير الموارد المالية لاحتياجات القوات المسلحة، وضمان استمرار عمل القطاعات الحيوية.
كما شدد على أهمية توطين الصناعات العسكرية وإنتاج الذخائر محليًا، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز قدرة الدولة على مواجهة احتمالات تعطل الإمدادات أو تغير مواقف الدول والتحالفات الدولية.
الحاضنة الشعبية ركيزة أساسية للأمن القومي
وأشار العكاري إلى أن الحاضنة الشعبية الواعية تمثل أحد أهم عناصر حماية الأمن القومي، موضحًا أن تماسك المجتمع وإدراك المواطنين للمخاطر المحيطة بالدولة يسهمان في تعزيز الاستقرار ومواجهة محاولات إثارة الانقسام.
وأضاف أن مسؤولية حماية الوطن لا تقتصر على المؤسسات العسكرية والأمنية، بل تشمل أيضًا وعي المواطنين وقدرتهم على التعامل بمسؤولية مع المعلومات والأحداث، مع ضرورة التمييز بين الوعي المجتمعي المشروع وبين إطلاق الاتهامات أو التعامل مع الآخرين على أساس الشك غير المستند إلى أدلة.
توطين السلاح وتعزيز الجاهزية الاستراتيجية
وفي سياق حديثه عن الاستعداد لمواجهة المخاطر، أكد العكاري أن الجاهزية الاستراتيجية تتطلب تنسيقا متكاملا بين الوزارات والمؤسسات المختلفة، بحيث تكون الدولة قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية واستمرار الخدمات الحيوية في الظروف الاستثنائية.
وأشار إلى أن امتلاك القدرات العسكرية وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه استعداد اقتصادي ومالي وصناعي ولوجستي، موضحًا أن توطين الصناعات الدفاعية وتأمين سلاسل الإمداد يمثلان عنصرين مهمين في تعزيز استقلال القرار الوطني.
رسالة ختامية: الوعي والتاريخ أساس حماية الدولة
واختتم العكاري رؤيته بالتأكيد على أن الرسائل التي تناولها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة تبرز أهمية الربط بين دروس التاريخ ومتطلبات الحاضر، مع التركيز على حماية الوعي الوطني والحفاظ على وحدة المجتمع.
وشدد على أن بناء دولة قوية لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى مؤسسات مستعدة للأزمات، واقتصاد قادر على تلبية الاحتياجات الاستراتيجية، ومجتمع يمتلك الوعي اللازم لفهم التحديات والتعامل معها.

