«خلاف 40 سنة مع صباح وأزمة روتانا».. الوجه الآخر في حياة وديع الصافي
في 11 أكتوبر من كل عام، تعود ذكرى رحيل المطرب اللبناني وديع الصافي، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في انتشار الأغنية اللبنانية عربيًا، بصوته الجبلي وأدائه الذي جمع بين الطرب الأصيل والمواويل والعتابا. ورغم مرور سنوات على رحيله، لا تزال أعماله حاضرة في الذاكرة، فيما تكشف حواراته القديمة عن جانب آخر من شخصيته، اتسم بالصراحة والتمسك بهوية الأغنية اللبنانية، إلى جانب خلافات فنية وتجارب صعبة رافقت مسيرته الطويلة.
خلاف وديع الصافي وصباح.. قطيعة استمرت سنوات
من أشهر الخلافات التي ارتبطت باسم وديع الصافي، أزمته مع المطربة اللبنانية صباح، والتي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. ووفقًا لتقارير صحفية، بدأت الأزمة بعد حفل كان من المقرر أن يجمعهما في منطقة نهر الكلب ببيروت، لكن صباح لم تحضر، ما تسبب في خسائر مادية للصافي، ودفعه إلى السفر للولايات المتحدة في محاولة لتعويض جانب من تلك الخسائر.
واستمر الجفاء بين الفنانين سنوات طويلة، قبل أن تنتهي القطيعة بلقاء جمعهما، وتعود العلاقة بينهما إلى الهدوء. وتظل هذه الواقعة من أبرز الخلافات التي تناولتها الصحافة عند استعراض الجوانب غير المعروفة من حياة «صوت الجبل».
أزمة مع «روتانا».. اتهامات بإهمال تراثه الغنائي
دخل وديع الصافي في خلاف مع شركة «روتانا» للإنتاج الموسيقي، بعدما شعر، وفق ما نقلته تقارير صحفية، بأن الشركة لم تمنح أعماله الاهتمام الذي يستحقه، خصوصًا بعد ألبوم «ناطرك سهران». وانتهى الأمر بإنهاء تعاقده معها، واستمرار الخلاف بين الطرفين لسنوات.
وكان الصافي قد عبّر عن غضبه من الشركة والعاملين بها بعبارات حادة، منتقدًا ما اعتبره عدم تقدير للفن الراقي ورواد الأغنية العربية. كما ربطت تقارير صحفية بين تعاقده مع الشركة وتدهور وضعه المالي في سنواته الأخيرة، وتحدثت عن إعلانه الإفلاس قبل وفاته بنحو عام، وهي رواية تداولتها وسائل إعلام عند استعراض أزماته المالية.
وتكشف هذه الأزمة عن جانب من معاناة بعض الفنانين الكبار في إدارة حقوقهم الفنية وعقودهم التجارية، حتى مع امتلاكهم رصيدًا غنائيًا واسعًا وشهرة ممتدة عبر أجيال.
خلاف مع وائل جسار بسبب الاعتزال
ومن المواقف التي أثارت جدلًا في الوسط الفني، الأزمة التي نشبت بين وديع الصافي والمطرب وائل جسار، بعدما نُسب إلى الأخير تصريح فُهم منه أنه يدعو الصافي إلى اعتزال الغناء. وأثارت التصريحات ردود فعل، نظرًا إلى مكانة الصافي وتاريخه الطويل.
لكن جسار عاد وأوضح أن كلامه أُسيء فهمه، وأن مقصده كان أن ينال الصافي الراحة والتقدير، مع استمرار الجمهور في الاستماع إلى أغنياته. وتسلط الواقعة الضوء على حساسية الحديث عن اعتزال الفنانين أصحاب التاريخ الطويل، خاصة عندما يتعلق الأمر بصوت ارتبط بوجدان الجمهور العربي لعقود.
نزاع حول أغنية «طفل الحجارة»
وشهدت مسيرة الصافي أيضًا خلافًا مع الشاعر الأردني أحمد حسن بشأن أغنية «طفل الحجارة»، بعدما اتهم الشاعر المطرب بغناء القصيدة من دون الإشارة إلى اسمه أو حفظ حقوقه الأدبية. وتطور الأمر، وفقًا لما نشرته الصحافة، إلى اللجوء للقضاء وتقديم شكوى إلى نقابة الفنانين الأردنيين، قبل أن تتم تسوية الخلاف وديًا، مع إعادة إثبات اسم الشاعر على العمل.
وتبرز هذه الواقعة أهمية حقوق الملكية الفكرية في صناعة الأغنية، والعلاقة بين المطرب والشاعر، خصوصًا عندما تكون القصيدة جزءًا أساسيًا من العمل الغنائي.
تصريحات جريئة عن الفن والوطن
لم تكن خلافات وديع الصافي وحدها ما لفت الانتباه في أحاديثه؛ فقد اشتهر أيضًا بصراحته في الحديث عن الفن وحياته الشخصية. وفي حوار صحفي قديم، استعاد بداياته، مشيرًا إلى أنه واجه سخرية وانتقادات في أول مشواره، إذ قال إن البعض وصفه بأنه «مطرب العنزة والسطوح والقرميد»، لكنه لم يلتفت إلى تلك الأحكام، واستمر في طريقه الفني حتى أصبح من أبرز الأصوات العربية.
وفي حديث آخر، وصف نفسه بأنه صاحب مزاج حاد، موضحًا أنه كان يندم أحيانًا على انفعاله ويحاول تهذيب نفسه. كما تحدث عن تعلقه بلبنان، وعن شعور الاغتراب الذي رافقه خلال سنوات إقامته خارج البلاد، مشيرًا إلى أن أغنية «لبنان يا قطعة سما» من أكثر الأعمال التي ارتبطت لديه بالحنين إلى الوطن.
وكان الصافي يتحدث كذلك عن علاقته بالموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي قال إنه دعمه وأشاد بقدراته الغنائية، كما أشار إلى علاقة طيبة جمعته بأم كلثوم، وكشف أنه كان ينوي تقديم لحن لها لتغنيه في مهرجان بعلبك، لكن وفاتها حالت دون ذلك.
الحرب اللبنانية.. محطة قاسية في حياته
تأثر وديع الصافي بالحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975، وابتعد عن بيروت في ظل الظروف الصعبة التي عاشها البلد، قبل أن ينتقل إلى باريس عام 1978. وتناولت تقارير صحفية تلك المرحلة باعتبارها من الفترات التي أصابته بالحزن، وأبعدته عن الغناء مدة من الزمن، قبل أن يعود إلى نشاطه الفني بدعم من أصدقائه، وبقناعة أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن الانتماء الوطني والدعوة إلى وحدة لبنان.
وكانت علاقته بالوطن حاضرة في عدد من أعماله وتصريحاته، إذ لم يفصل بين الغناء والهوية اللبنانية، وحرص على تقديم اللهجة المحلية والمواويل والعتابا بوصفها عناصر أساسية في الشخصية الموسيقية التي حملها إلى الجمهور العربي.
«دار يا دار» و«على رمش عيونها».. أبرز أعماله الخالدة
ترك وديع الصافي مكتبة غنائية ضخمة، من أشهر أعمالها «دار يا دار»، و«على رمش عيونها»، و«لبنان يا قطعة سما»، و«عندك بحرية يا ريّس»، و«عظيمة يا مصر»، إلى جانب «عاللوما»، التي شكلت محطة مهمة في انتشار اسمه وتأكيد خصوصية أسلوبه الغنائي.
ولم يقتصر نشاطه على الغناء، بل خاض تجربة التلحين، وتعاون مع أسماء بارزة في الموسيقى العربية، من بينهم محمد عبد الوهاب والأخوان رحباني وزكي ناصيف وفيلمون وهبي. كما شارك في السينما ممثلًا ومطربًا، وظهر في أفلام منها «غزل البنات» و«الخمسة جنيه» و«نار الشوق» و«الاستعراض الكبير» و«ليالي الشرق».
صوت الجبل الذي بقي بعد الرحيل
ولد وديع الصافي، واسمه الأصلي وديع بشارة فرنسيس، في الأول من نوفمبر عام 1921 بقرية نيحا في لبنان. وبدأت انطلاقته الواسعة بعد فوزه في مسابقة للإذاعة اللبنانية عام 1938، قبل أن يصبح أحد أبرز رموز الأغنية اللبنانية، بفضل صوته القوي وقدرته على أداء المواويل والأغنيات التراثية.
وفي 11 أكتوبر 2013، رحل عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركًا إرثًا فنيًا تجاوز حدود لبنان، وأعمالًا ما زالت تتردد على ألسنة محبيه. وبين خلافاته الفنية وتصريحاته الصريحة ومواقفه من الحرب والاغتراب، تبقى بصمته الأهم في مشروعه الموسيقي الذي ساعد على ترسيخ حضور الأغنية اللبنانية في العالم العربي.


