«حائط البطولات» وأسرار التأجيل.. محطات مثيرة في حياة المخرج محمد راضي
ارتبط اسم المخرج والمنتج الراحل محمد راضي بواحدة من أبرز الأزمات التي شهدتها السينما المصرية، وهي تأخر عرض فيلمه «حائط البطولات»، الذي تناول بطولات قوات الدفاع الجوي خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر. وانتهى راضي من إخراج الفيلم عام 1999، لكن العمل لم يصل إلى الجمهور في موعده، وظل بعيدًا عن دور العرض سنوات طويلة، قبل أن يُعرض عام 2011.
وفي تصريحات صحفية، تحدث راضي عن ظروف إنتاج الفيلم، موضحًا أن العمل جاء بتكليف من التلفزيون المصري، وبمشاركة وإشراف من قيادات عسكرية على مراجعة السيناريو والأحداث والمواقع التي يتناولها. كما كشف عن توقف الدعم المقدم لفريق العمل خلال التصوير، وهي من النقاط التي سلطت الضوء على الصعوبات التي واجهها المشروع.
وأعاد تأخر عرض الفيلم فتح النقاش حول أسباب تعطيل الأعمال السينمائية التي تتناول أحداثًا تاريخية وعسكرية، ومدى تأثير الظروف الإنتاجية والاعتبارات المختلفة في وصولها إلى الجمهور. ورغم ارتباط قصة الفيلم بروايات عن اعتراضات سياسية وأمنية، فإن من المهم التمييز بين ما ورد في تصريحات راضي وما تداولته التغطيات الصحفية بشأن أسباب التأجيل، دون التعامل مع جميع الروايات باعتبارها حقائق محسومة.
تصريحات عن أسباب تأخر الفيلم
في لقاء تلفزيوني عام 2016، تحدث محمد راضي عن كواليس «حائط البطولات»، مشيرًا إلى أن العمل حظي بمراجعة من الجهات العسكرية المعنية، وأنه استند إلى أحداث وشخصيات مرتبطة بفترة حرب الاستنزاف وأكتوبر. كما تناولت تصريحات وتقارير صحفية مسألة توقف المساندة الحكومية أثناء التصوير، في سياق حديثه عن الظروف التي صاحبت تنفيذ الفيلم.
وتكمن أهمية هذه الأزمة في أنها لم تتعلق بمجرد تأجيل عرض عمل فني، بل بفيلم اختار أن يقدم رواية سينمائية عن دور عسكري محدد في مرحلة مفصلية من تاريخ مصر. ومع عودة العمل إلى الشاشة بعد سنوات، أصبح تأخره جزءًا من حكايته، بالتوازي مع النقاش حول قيمته الفنية والتاريخية.
«أبناء الصمت».. تجربة استندت إلى مشاهد الحرب الحقيقية
يُعد فيلم «أبناء الصمت»، الذي عُرض عام 1974، من أبرز الأعمال التي رسخت اسم محمد راضي في مجال الأفلام الحربية. وقد سعى من خلاله إلى الاقتراب من تجربة الجنود المصريين خلال الحرب، مع الاهتمام بالجانب الإنساني وما يرافق المعارك من تضحيات وضغوط نفسية واجتماعية.
وفي حوار صحفي عام 2015، أوضح راضي أن الرئيس الراحل أنور السادات وقيادات عسكرية، من بينهم الفريق سعد الدين الشاذلي؟ لم يذكر المصدر ذلك، وإنما أشار تحديدًا إلى الفريق الجمسي واللواء أحمد بدوي، قدموا مساعدات عسكرية لتصوير «أبناء الصمت». وقال إن مشاهد العبور أُعيد تنفيذها بمشاركة جنود حقيقيين ممن شاركوا في حرب أكتوبر، بهدف تقديم صورة أقرب إلى الواقع.
كما أكد راضي أن الفيلم الحربي، من وجهة نظره، لا ينبغي أن يقتصر على المعدات والمعارك، بل يجب أن ينقل التجربة الإنسانية للمقاتلين، وما عاشوه حتى تحقق النصر. وتعكس هذه الرؤية اهتمامه بتقديم الحكايات الفردية إلى جانب الحدث العسكري العام.
«العمر لحظة» و«وراء الشمس».. الحرب والسياسة في السينما
لم يقتصر اهتمام محمد راضي على تصوير المعارك، إذ قدم فيلم «العمر لحظة» عام 1978، المأخوذ عن قصة للكاتب يوسف السباعي، بمشاركة ماجدة ومحمد خيري. ويتناول العمل التحولات التي يعيشها المجتمع في ظل الحرب، من خلال شخصية صحفية تنخرط في العمل التطوعي وتقترب من حياة المقاتلين، ليجمع بين العلاقات الإنسانية والواقع الوطني.
أما فيلم «وراء الشمس»، فتناول المعتقلات السياسية في أعقاب نكسة عام 1967، في معالجة اتجهت إلى الجانب السياسي والاجتماعي، بعيدًا عن الصورة التقليدية للأعمال الحربية. ويكشف تنوع هذه الأفلام عن اهتمام راضي بتناول آثار الهزيمة والحرب على الأفراد والمجتمع، وليس فقط تسجيل لحظات المواجهة العسكرية.
من «الإنس والجن» إلى «الهروب من الخانكة»
امتدت تجربة راضي إلى أنواع سينمائية مختلفة، وكان من أبرزها فيلم «الإنس والجن» عام 1985، بطولة عادل إمام ويسرا، الذي خاض من خلاله تجربة الرعب المرتبطة بعالم الجن والغيب. وذكر راضي في حوار صحفي أن عادل إمام تحمس للفيلم رغم ابتعاده عن صورته الكوميدية المعتادة، مشيرًا إلى قدرته على تقديم شخصية مختلفة أثارت الخوف لدى الجمهور.
كما أخرج أفلامًا أخرى، منها «الهروب من الخانكة» عام 1986، و«موعد مع القدر» عام 1987، و«موعد مع الرئيس» عام 1990، و«الحجر الداير» عام 1992. وتُظهر هذه الأعمال أن مسيرته لم تكن محصورة في الأفلام الوطنية، وإن ظلت أفلام الحرب الأكثر ارتباطًا باسمه في الذاكرة السينمائية.
مواقفه من السينما والتوثيق التاريخي
في أحاديثه الصحفية، دافع راضي عن ضرورة تقديم أعمال سينمائية توثق الأحداث التاريخية، ورأى أن صناعة الفيلم الحربي تتطلب إمكانات مادية وبحثية ووثائق دقيقة، إلى جانب تعاون المؤسسات المعنية. كما تحدث عن رغبته في تقديم فيلم يتناول مفاوضات استرداد طابا، معتبرًا أن الصراع السياسي والقانوني يمكن أن يشكل مادة سينمائية مهمة، إذا استند إلى وثائق وكتابة متخصصة.
وفي عام 2017، عبّر عن اعتقاده بأهمية تناول الأحداث المصرية الحديثة في السينما، بما فيها أحداث 30 يونيو، في إطار رؤيته لدور الفيلم في تسجيل المراحل التاريخية. وهي تصريحات تعكس اهتمامه بفكرة السينما بوصفها وسيلة للتوثيق، إلى جانب دورها الفني والترفيهي.
جماعة السينما الجديدة.. اهتمام بتغيير شكل الصناعة
من المحطات المهمة في مسيرة محمد راضي تأسيسه «جماعة السينما الجديدة» عام 1968، وهي تجربة استهدفت فتح المجال أمام تيار جديد في السينما المصرية، وضمت عددًا من الشباب الذين أصبحوا لاحقًا من صناع السينما المعروفين. وظل راضي رئيسًا للجماعة نحو ست سنوات، في تجربة تكشف اهتمامه بتطوير الصناعة، وليس الإخراج وحده.
وُلد محمد راضي في محافظة الغربية عام 1939، وتخرج في كلية الحقوق عام 1962، ثم حصل على بكالوريوس المعهد العالي للسينما عام 1964. وبدأ مشواره بإخراج الأفلام التسجيلية، قبل الانتقال إلى الأفلام الروائية الطويلة. ورحل في 12 أكتوبر 2017، تاركًا أعمالًا تنوعت بين الحرب والدراما الاجتماعية والرعب، بينما بقيت أزمة «حائط البطولات» إحدى أكثر محطات مسيرته تداولًا، إلى جانب أفلامه التي سعت إلى تقديم رواية سينمائية عن حرب أكتوبر وما سبقها من أحداث.


