رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من «البوسطجي» إلى «عمر أفندي».. حكاية ساعي البريد في ذاكرة الفن المصري

إيجبتكِ

قبل أن تسيطر الهواتف المحمولة وتطبيقات المراسلة على تفاصيل الحياة اليومية، كانت الخطابات الورقية وسيلة أساسية لنقل الأخبار والمشاعر والأسرار بين الناس، وكان وصول ساعي البريد إلى البيوت يحمل معه لحظات من الانتظار والفرح والقلق. هذه التفاصيل لم تكن مجرد ملامح من الحياة اليومية، بل تحولت إلى عناصر درامية استثمرتها السينما والتلفزيون المصريان في حكايات الحب والفراق والصراعات الاجتماعية.

وبمناسبة اليوم العالمي للبريد، الذي يوافق 9 أكتوبر من كل عام، تعود الذاكرة إلى الأعمال الفنية التي وثقت صورة البوسطجي ومكتب البريد وحقيبة الخطابات، إلى جانب الطابع البريدي الذي ارتبط برحلة الرسالة من مرسلها إلى صاحبها، في زمن كانت فيه الكلمات المكتوبة تحمل أخبارًا قد تغير حياة أصحابها. 

«البوسطجي».. حين تحول موظف البريد إلى بطل درامي

يظل فيلم «البوسطجي»، الذي عُرض عام 1968، من أبرز الأعمال المصرية التي جعلت البريد محورًا أساسيًا للأحداث، وليس مجرد تفصيلة عابرة في الخلفية. جسد شكري سرحان شخصية عباس، الموظف الذي ينتقل من القاهرة إلى قرية كوم النحل بمحافظة أسيوط لتولي مسؤولية مكتب البريد، ليجد نفسه وسط مجتمع تحكمه علاقات معقدة وصراعات اجتماعية لا يعرف تفاصيلها في البداية.

الفيلم مأخوذ عن قصة «دماء وطين» للأديب يحيى حقي، وأخرجه حسين كمال، وشارك في بطولته زيزي مصطفى وصلاح منصور وسهير المرشدي. ومع تطور الأحداث، يتجاوز عباس حدود وظيفته عندما يتلصص على الخطابات التي تمر عبر المكتب، لتتحول الرسائل الخاصة إلى مدخل يكشف أسرار القرية، وتترتب على تدخله نتائج مأساوية.

ولا تتوقف أهمية الفيلم عند تصوير مهنة البوسطجي، بل تمتد إلى طرح قضية الخصوصية والمسؤولية الأخلاقية، وكيف يمكن لتدخل شخص في حياة الآخرين أن يؤدي إلى عواقب لا يمكن إصلاحها. وهكذا أصبح مكتب البريد في الفيلم مساحة تتقاطع فيها الحكايات الشخصية مع التقاليد الاجتماعية والسلطة والرقابة، بينما تحولت الرسائل إلى عنصر يحرك الأحداث ويكشف ما تخفيه الشخصيات. 

«البوسطجي» على شاشة التلفزيون.. حكاية تعود من جديد

لم يقتصر حضور شخصية البوسطجي على السينما، إذ عادت الحكاية إلى الشاشة الصغيرة من خلال مسلسل «البوسطجي»، الذي قدمه الفنان حمدي أحمد بعد سنوات من الفيلم السينمائي، وجسد خلاله شخصية عباس، في معالجة تلفزيونية استندت إلى العمل الأدبي نفسه.

وشارك في المسلسل عبد الله محمود وعائشة سالم ونبيل الدسوقي، وتولى إخراجه فخر الدين صلاح، بينما ارتبط العمل بنص يحيى حقي ومعالجة درامية لفريال عاشور. وأعاد المسلسل تقديم العالم الذي تدور فيه الحكاية، حيث يصبح موظف البريد شاهدًا على تفاصيل حياة مجتمع صغير، وتتحول الرسائل التي تمر بين يديه إلى نافذة على علاقات الناس وأسرارهم.

ويكشف انتقال القصة من السينما إلى التلفزيون عن قدرة شخصية البوسطجي على استيعاب معالجة درامية ممتدة، خصوصًا أن عالم البريد يتيح التقاء حكايات متعددة داخل مكان واحد، تتشابك فيه الرسائل مع مصائر أصحابها. 

 يونس شلبي في «موزع البريد».. الجانب الإنساني للمهنة

في عام 1994، قدم الفنان يونس شلبي فيلم «موزع البريد»، وجسد شخصية حسن، الموظف البسيط الذي يتعامل مع عمله باعتباره مسؤولية إنسانية، ويسعى إلى أداء مهمته ومساعدة الآخرين، حتى يجد نفسه متورطًا في مواقف ومشكلات تتجاوز حدود وظيفته.

وشارك في الفيلم إيمان وصبري عبد المنعم وضياء الميرغني، وأخرجته مها عرام، عن قصة وسيناريو وحوار محمد مصطفى الصواف. واعتمد العمل على الكوميديا في تقديم شخصية موظف البريد، مع رصد مفارقات اجتماعية وسلوكيات تضعه في مواقف صعبة بسبب حرصه على التدخل لمساعدة من حوله.

وعلى خلاف الأجواء المأساوية التي ميزت «البوسطجي»، قدم «موزع البريد» صورة أكثر خفة للمهنة، من خلال شخصية تسعى إلى فعل الخير، لكنها تدفع ثمن اندفاعها أحيانًا. وبذلك احتفظ البريد بمكانته داخل الحكاية، بينما اختلفت المعالجة بين التراجيديا الاجتماعية والكوميديا الإنسانية. 

«عمر أفندي».. عودة البوسطجي إلى الدراما الحديثة

عاد حضور ساعي البريد إلى ذاكرة الجمهور من خلال مسلسل «عمر أفندي»، الذي عُرض عام 2024، عبر شخصية دياسطي التي قدمها الفنان مصطفى أبو سريع. واستدعت الشخصية صورة البوسطجي التقليدي المرتبط بالحارات والبيوت والخطابات، وأعادت إلى الأذهان ملامح المهنة التي عرفتها أجيال سابقة.

وشارك في بطولة المسلسل أحمد حاتم وآية سماحة ورانيا يوسف ومحمد رضوان ومحمود حافظ، وهو من تأليف مصطفى حمدي وإخراج عبد الرحمن أبو غزالة. وجاء ظهور دياسطي ضمن عالم يستعيد تفاصيل من زمن مختلف، لتصبح شخصية موزع البريد جزءًا من بناء الأجواء التاريخية والاجتماعية للعمل.

ويؤكد هذا الحضور أن بعض المهن القديمة لا تزال قادرة على استعادة مكانها في الدراما، حتى مع تغير وسائل التواصل، لأنها ترتبط بصورة اجتماعية وذاكرة بصرية تحملان دلالات تتجاوز طبيعة الوظيفة نفسها. 

طابع البريد.. تفصيلة صغيرة تحمل حكاية كبيرة

لم يكن طابع البريد مجرد وسيلة لإثبات دفع رسوم إرسال الخطاب، بل ارتبط في الذاكرة بصورة الرسالة الورقية ورحلتها بين المدن والبلدان. وكان ظهوره على ظرف الخطاب يمنح المشهد تفاصيل واقعية، من كتابة العنوان إلى وضع الطابع ثم انتظار وصول الرسالة إلى صاحبها.

وفي المشاهد التي تعتمد على الخطابات، يكتسب الطابع قيمته من كونه جزءًا من رحلة الرسالة، بينما يظل الظرف المكتوب بخط اليد وسيلة درامية تحمل اعترافًا أو خبرًا أو سرًا. وقد لا يكون الطابع نفسه محورًا رئيسيًا للأحداث في معظم الأعمال، لكنه ينتمي إلى مجموعة التفاصيل البصرية التي تستحضر زمنًا كانت فيه الرسالة تحتاج إلى وقت وجهد حتى تصل إلى وجهتها.

وتختلف دلالة الخطاب بحسب سياق العمل؛ فقد يحمل خبرًا طال انتظاره، أو يضع حدًا لعلاقة، أو يكشف حقيقة ظلت مخفية. ومن هنا جاءت قوة الرسائل في السينما، إذ لا تعتمد على الكلمات وحدها، بل على انتظار وصولها، ورد فعل من يتلقاها، وما قد يتغير بعد قراءتها.

من حقيبة البوسطجي إلى الرسائل الفورية

تغيرت وسائل التواصل بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وأصبحت الرسائل تصل في ثوانٍ عبر الهواتف الذكية، بعد أن كانت الخطابات الورقية تستغرق وقتًا حتى تصل إلى أصحابها. ومع هذا التحول، تراجعت بعض التفاصيل التي ارتبطت بالبريد التقليدي، مثل انتظار ساعي البريد وفتح الظرف والاحتفاظ بالخطابات القديمة.

لكن استدعاء هذه التفاصيل في الأعمال الفنية لا يقتصر على الحنين إلى الماضي، بل يساعد على تصوير طبيعة الحياة الاجتماعية في فترات زمنية مختلفة، ويمنح المشاهد فرصة لفهم كيف كان الناس يتواصلون ويعبّرون عن مشاعرهم قبل انتشار التكنولوجيا الحديثة.

وفي اليوم العالمي للبريد، تستعيد السينما والتلفزيون المصريان صورة مهنة ارتبطت بوجدان الناس، من عباس في «البوسطجي» إلى حسن في «موزع البريد» ودياسطي في «عمر أفندي». وبين حقيبة الخطابات والطابع البريدي والظرف الذي يحمل عنوانًا مكتوبًا بخط اليد، تبقى الرسالة الورقية جزءًا من الذاكرة الفنية والاجتماعية، وشاهدًا على زمن كانت فيه كل رسالة رحلة تحمل احتمالًا جديدًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء