نافي بيلاي.. رئيسة لجنة أممية اتهمت إسرائيل بإبادة غزة تفوز بنوبل للسلام
في توقيت تتصاعد فيه المواجهات السياسية حول دور المؤسسات الدولية، وتتعرض فيه آليات القانون الدولي لانتقادات وضغوط متزايدة، فازت نافي بيلاي، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ورئيسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، بعد مسيرة طويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة الانتهاكات الجسيمة. ويأتي التكريم في ظل الجدل الذي أثاره تقرير اللجنة التي ترأستها، والذي خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات بصورة قاطعة.
نوبل للسلام.. رسالة بشأن القانون الدولي
أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الجمعة 9 أكتوبر 2026، فوز نافانيثيم «نافي» بيلاي بجائزة نوبل للسلام في أوسلو بالنرويج، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام ودعم القانون الدولي.
وقال يورغن واتني فريدنيس، رئيس لجنة نوبل النرويجية، إن بيلاي، المولودة في جنوب أفريقيا والبالغة من العمر 85 عامًا، تستحق التكريم لدورها في الدفاع عن القانون الدولي وتعزيز فرص تحقيق السلام.
وأكدت اللجنة، في بيان إعلان الجائزة، أن العالم يشهد تزايدًا في الحروب والصراعات، بالتزامن مع تعرض القضاة ومؤسسات القانون الدولي لهجمات سياسية، مشددة على أن حل النزاعات بعيدًا عن القوة والعنف يتطلب احترام سيادة القانون الدولي.
وجاء في بيان اللجنة أن وجود نظام قانوني دولي قادر على محاسبة مجرمي الحرب وتحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات يمثل شرطًا أساسيًا لبناء عالم يسوده السلام.
ويضع هذا الموقف فوز بيلاي في سياق أوسع من الجدل الدائر بشأن مستقبل العدالة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات القانونية على أداء دورها في النزاعات التي تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعسكرية.
من المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى لجنة التحقيق بشأن غزة
تولت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وهي الفترة التي انتقدت خلالها، في مناسبات متعددة، سياسات إسرائيل وممارساتها المتعلقة بالفلسطينيين.
ولم تقتصر مسيرتها على هذا المنصب؛ إذ تولت أيضًا مناصب قضائية دولية، وأسهمت في عمل المؤسسات المعنية بالتحقيق في الجرائم الجسيمة وانتهاكات القانون الدولي.
وفي مرحلة لاحقة، تولت رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، وهي اللجنة التي أصبحت نتائجها محورًا رئيسيًا في النقاش الدولي حول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وتتولى اللجنة التحقيق في الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي، وفحص الوقائع والأدلة المرتبطة بالصراع، في إطار ولاية أقرتها الأمم المتحدة.
انتقادات أمريكية سابقة لمواقفها من إسرائيل
لم تكن مواقف بيلاي من إسرائيل محل خلاف جديد؛ فقد واجهت انتقادات سياسية أمريكية خلال فترة توليها منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان.
وفي عام 2014، وقّع أكثر من مئة عضو في الكونجرس الأمريكي رسالة انتقدوا فيها ما اعتبروه انحيازًا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضد إسرائيل خلال قيادتها للمفوضية.
ورأى الموقعون أن المجلس لا يمكن التعامل معه بوصفه مؤسسة موثوقة في مجال حقوق الإنسان، إذا ركز تحقيقاته على إسرائيل دون حركة حماس، وفق ما أورده تقرير صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».
وتكشف هذه الواقعة عن امتداد الخلاف بشأن أداء المؤسسات الحقوقية الدولية إلى الساحة الأمريكية، حيث تتباين المواقف بين من يرى أن التحقيق في الانتهاكات الإسرائيلية ضرورة تفرضها قواعد القانون الدولي، ومن يعتبر أن تركيز المؤسسات الأممية على إسرائيل يعكس ازدواجية في المعايير.
تقرير 2025.. اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة
برز اسم بيلاي بصورة أكبر في سبتمبر 2025، عندما أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي ترأسها، نتائج تقرير خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
ووفق التقرير، فإن الأفعال التي ارتكبتها السلطات والقوات الإسرائيلية في القطاع، إلى جانب ما خلصت إليه اللجنة بشأن توافر القصد الخاص، تستوفي معايير قانونية مرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية، وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وقالت بيلاي، في تصريح أوردته التغطية الصحفية للتقرير، إن هناك نية لتدمير الفلسطينيين في غزة من خلال أفعال تفي بالمعايير المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
ويمثل هذا الاستنتاج موقف لجنة تحقيق أممية بشأن الوقائع التي درستها، ولا ينبغي الخلط بينه وبين حكم قضائي نهائي صادر عن محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية ضد إسرائيل.
ورفضت إسرائيل اتهامات الإبادة الجماعية المرتبطة بحربها على حركة حماس في غزة، ونفت ارتكاب هذه الجريمة.
وأعاد التقرير إلى الواجهة الخلاف حول مسؤولية الأطراف المتحاربة عن حماية المدنيين، وحدود استخدام القوة العسكرية، والتزامات الدول بموجب القانون الدولي، فضلًا عن السؤال المتعلق بمدى فاعلية المؤسسات الدولية في مواجهة الانتهاكات الجسيمة.
لماذا يثير فوز بيلاي كل هذا الجدل؟
تكمن أهمية فوز بيلاي في أن مسيرتها تجمع بين العمل القضائي الدولي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتولي مناصب أممية رفيعة، فضلًا عن دورها في لجنة تحقيق أصدرت استنتاجات شديدة الخطورة بشأن الحرب على غزة.
وفي الوقت نفسه، يسلط التكريم الضوء على الانقسام الدولي بشأن أداء المؤسسات الأممية، إذ يرى مؤيدو التحقيقات الحقوقية أن المساءلة المستقلة ضرورة لتحقيق العدالة، بينما يوجه منتقدون اتهامات بالانحياز إلى بعض الهيئات التي تتناول السياسات الإسرائيلية.
ويأتي موقف لجنة نوبل ليؤكد، بحسب بيانها، أن احترام القانون الدولي ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب يمثلان عنصرين أساسيين لتحقيق السلام، وليس مجرد مسألتين قانونيتين منفصلتين عن الاستقرار الدولي.
ومع ذلك، فإن منح الجائزة لا يحسم بذاته الخلافات القانونية بشأن الحرب على غزة، ولا يمثل حكمًا قضائيًا في الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل، بل يأتي تقديرًا لمسيرة بيلاي ومواقفها في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي.
جائزة تفتح النقاش حول العدالة الدولية
لا تتوقف دلالة فوز نافي بيلاي عند تكريم شخصية قضائية وحقوقية، بل تمتد إلى النقاش بشأن قدرة القانون الدولي على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، بصرف النظر عن القوة السياسية أو العسكرية للأطراف المعنية.
ففي عالم تتواصل فيه النزاعات المسلحة، وتتصاعد فيه الاتهامات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، تظل فعالية المؤسسات الدولية مرتبطة بقدرتها على التحقيق المستقل، وفحص الأدلة، وتطبيق المعايير القانونية على الجميع دون تمييز.
وبينما ترفض إسرائيل الاتهامات التي خلص إليها تقرير لجنة التحقيق، يظل التقرير جزءًا من سجال قانوني وسياسي دولي أوسع بشأن الحرب على غزة، ومسؤولية الدول عن منع الجرائم الدولية ومحاسبة مرتكبيها.
وهكذا، يأتي فوز بيلاي بجائزة نوبل للسلام في لحظة يتجاوز فيها الجدل شخصها إلى مستقبل العدالة الدولية نفسها: هل تستطيع المؤسسات القانونية فرض احترام قواعدها عندما تتعارض نتائج التحقيقات مع مصالح القوى السياسية الكبرى؟





