80% من الإنتاج للتصدير.. لماذا تتحول مصر إلى قاعدة صناعية للشركات الكورية؟
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين مصر وكوريا الجنوبية تقتصر على التبادل التجاري، بل تطورت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة صناعية واستثمارية ذات أبعاد استراتيجية، مع تنامي حضور الشركات الكورية في قطاعات التصنيع والتكنولوجيا والنقل والطاقة داخل السوق المصرية.
وتستفيد الشركات الكورية من الموقع الجغرافي لمصر وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطها بالأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، بما يمنح المنتجات المصنعة محليًا فرصة للوصول إلى أسواق واسعة، ويعزز في الوقت نفسه موقع مصر كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
171 شركة كورية واستثمارات تتجاوز 736 مليون دولار
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى وصول عدد الشركات الكورية الجنوبية المسجلة في مصر إلى 171 شركة، باستثمارات بلغت نحو 736.3 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي الأخير.
ولا تتوقف انعكاسات هذه الاستثمارات عند ضخ رؤوس الأموال، إذ ترتبط بمشروعات صناعية كبيرة تحقق حجم إنتاج سنوي يتجاوز 1.5 مليار دولار، بما يعكس تنامي الوزن الصناعي للشركات الكورية داخل الاقتصاد المصري.
وتبرز الصادرات باعتبارها أحد أهم ملامح هذا التواجد، إذ توجه المصانع الكورية نحو 80% من إجمالي إنتاجها إلى الأسواق الخارجية، بينما تصل منتجاتها إلى أكثر من 47 دولة حول العالم تحت شعار «صنع في مصر».
سامسونج وLG.. التصنيع من مصر إلى الأسواق الخارجية
وتعد شركة سامسونج إلكترونيكس من أبرز النماذج على توظيف مصر كقاعدة صناعية وتصديرية، من خلال مجمعها الصناعي في بني سويف، الذي يضم إنتاج الشاشات الذكية والهواتف وأجهزة الكمبيوتر اللوحي المدرسي.
ويُصنف مجمع سامسونج في صعيد مصر ضمن أكبر مصانع الشركة عالميًا، فيما يتجاوز نصيب الصادرات 85% من إجمالي الإنتاج، مع توجيه المنتجات إلى أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا.
وفي قطاع الأجهزة المنزلية والكهربائية، يمثل مجمع LG إلكترونيكس في العاشر من رمضان أحد أبرز الاستثمارات الكورية في مصر، مع إنتاج مجموعة متنوعة من الأجهزة ونسب مكون محلي مرتفعة.
ويستفيد المصنع من موقع مصر وشبكة الاتفاقيات التجارية في الوصول إلى أسواق الخليج وشمال إفريقيا، بما يعزز دور الإنتاج المحلي في تلبية الطلب الخارجي.
هيونداي روتيم وتوطين صناعة النقل والسكك الحديدية
ويمتد التعاون الصناعي الكوري إلى قطاع النقل والسكك الحديدية من خلال تحالف هيونداي روتيم، الذي يعمل على دعم خطط تحديث وتوطين الصناعة في مصر بالتعاون مع الهيئة القومية للأنفاق ومصانع سيماف.
وتستهدف الخطة المشتركة رفع نسبة المكون المحلي إلى 50%، بما يدعم تحول مصر إلى قاعدة صناعية يمكن من خلالها تصدير عربات المترو والقطارات إلى الأسواق الإفريقية.
ويعكس هذا النموذج انتقال الشراكة من مجرد استيراد منتجات أو تنفيذ مشروعات إلى بناء قدرات إنتاجية محلية تستهدف السوق المصرية والأسواق الخارجية في الوقت نفسه.
الاتفاقيات التجارية.. بوابة إلى أكثر من مليار مستهلك
ويمثل النفاذ إلى الأسواق الخارجية أحد العوامل الرئيسية التي تجعل مصر قاعدة جاذبة للشركات الكورية، في ظل شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربط المنتجات المصنعة محليًا بالعديد من الأسواق الإقليمية.
وبمجرد تصنيع المنتجات داخل مصر واستيفائها قواعد المنشأ، يمكنها الاستفادة من المزايا الجمركية التي توفرها الاتفاقيات التجارية، وعلى رأسها اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، التي تفتح الطريق أمام الوصول إلى الأسواق العربية.
وعلى الجانب الإفريقي، توفر اتفاقية الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية «AfCFTA» إطارًا أوسع لنفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الإفريقية.
وتمنح هذه المنظومة الشركات الكورية فرصة للوصول من قاعدة إنتاج واحدة إلى سوق استهلاكية ضخمة تضم أكثر من مليار مستهلك، وهو ما يحول الاستثمار الصناعي الكوري في مصر من مجرد استثمار يستهدف السوق المحلية إلى منصة إقليمية للإنتاج والتصدير.
من الاستثمار إلى منصة تصديرية
وتكشف خريطة الاستثمارات الكورية في مصر عن تحول تدريجي في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين، من التعاون التجاري إلى شراكة تقوم على التصنيع وتوطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي والتوسع في الصادرات.
ومع توجه نسبة كبيرة من الإنتاج الكوري في مصر إلى الأسواق الخارجية، تصبح قدرة القاهرة على توفير البنية الصناعية واللوجستية والنفاذ التجاري عاملًا رئيسيًا في جذب المزيد من الاستثمارات الباحثة عن قاعدة إنتاج تخدم أسواق المنطقة.
وبذلك، تتحول الاستثمارات الكورية إلى أحد النماذج التي تجمع بين التصنيع داخل مصر والاستفادة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، بما يدعم زيادة الإنتاج وتعميق التصنيع ورفع الحصيلة التصديرية للاقتصاد المصري.





