بطل أكتوبر: النصر لم يتحقق بالسلاح وحده.. المقاتل المصري كان كلمة السر
قال اللواء محمد الغباري، أحد أبطال حرب أكتوبر ومدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، إن مرور 53 عامًا على انتصار أكتوبر المجيد لا يعني أن الحديث عن الحرب قد استنفد كل تفاصيلها، مؤكدًا أن هناك الكثير من القصص والبطولات والتضحيات التي لا تزال بحاجة إلى التوثيق والرواية.
وأضاف الغباري، خلال لقاء له على قناة الحياة، أن أهمية استعادة دروس حرب أكتوبر لا تقتصر على الاحتفال بالانتصار، وإنما تمتد إلى فهم روح أكتوبر ومنهج التخطيط العلمي الذي قاد إلى تحقيق النصر، مشيرًا إلى أن الحرب جسدت إرادة الجيش والشعب المصري، والقدرة على الصبر والتحمل والتضحية من أجل استعادة الأرض.
وأوضح أن التحديات التي تواجه الدولة تغيرت أشكالها بمرور الوقت، إلا أن استهداف الدولة المصرية يظل حاضرًا، وهو ما يستوجب ربط دروس الماضي بالحاضر والمستقبل، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمة الوطن والأرض وضرورة الحفاظ عليهما.
أكتوبر.. نصر نفخر به
وحول ما تمثله ذكرى أكتوبر بالنسبة له، قال الغباري إن أكتوبر يمثل بالنسبة لأفراد القوات المسلحة والمشاركين في الحرب مصدر فخر دائم، باعتباره عملًا مجيدًا في تاريخ مصر.
وشدد على أن حرب أكتوبر لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد ملحمة عسكرية، وإنما باعتبارها تجربة متكاملة قامت على العلم والدراسة والتخطيط الدقيق.
وأوضح أن التخطيط للحرب تضمن دراسة عدد ضخم من المشكلات والنقاط البحثية، قائلًا إن القوات المسلحة تعاملت مع نحو 1500 نقطة بحث للوصول إلى حلول للمشكلات التي كانت تواجه عملية العبور واقتحام قناة السويس وخط بارليف.
وضرب مثالًا بالصعوبات الهندسية المرتبطة بالعبور، من ضخ المياه في الساتر الترابي، وطبيعة قناة السويس، وسرعة التيارات المائية، ومواعيد المد والجزر، وكيفية التعامل مع المعدات أثناء النزول إلى المياه وصعودها إلى الضفة الأخرى.
وأكد أن هذه التفاصيل لم تكن أمورًا عشوائية، وإنما خضعت لدراسات وتدريبات وتجارب ميدانية دقيقة، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، قيمة التخطيط العلمي الذي سبق الحرب.
«منهج أكتوبر» وليس مجرد روح
وأوضح الغباري أن البعض يتحدث عن «روح أكتوبر»، لكنه يفضل التعبير بـ«منهج أكتوبر»، لأن النصر لم يكن نتيجة الحماس وحده، وإنما نتاج علم ودراسة وتخطيط وتدريب طويل.
وأشار إلى أن هذا المنهج يمكن الاستفادة منه في الحياة المدنية أيضًا، موضحًا أن الإنسان يجب أن يبدأ بتحديد إمكاناته، ثم وضع هدف يتناسب معها، وتقسيم هذا الهدف إلى مراحل، مع مراجعة نقاط القوة والضعف في كل مرحلة ومعالجة المشكلات التي تظهر أثناء التنفيذ.
وقال إن هذا المبدأ ينطبق على الدول والأفراد على حد سواء، مؤكدًا أن التخطيط طويل المدى يحتاج إلى القدرة على التحمل والنظر إلى المستقبل ومعالجة التحديات بصورة مستمرة.
الشعب المصري تحمل أعباء «اقتصاد الحرب»
وتطرق الغباري إلى الدور الذي لعبه الشعب المصري خلال فترة الإعداد لحرب أكتوبر، مشيرًا إلى أن الانتصار لم يكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها، وإنما شاركت فيه الجبهة الداخلية من خلال تحمل أعباء اقتصادية ومعيشية كبيرة.
وأوضح أن مفهوم «اقتصاد الحرب» كان يعني تخلي المواطنين عن جانب من الرفاهية والاحتياجات التي اعتادوا عليها، وتحمل ظروف صعبة في سبيل تحقيق هدف تحرير الأرض.
وأكد أن قدرة الشعب على الصبر والتحمل كانت مرتبطة بوجود هدف واضح أمامه، وهو تحرير الأرض وعودة الكرامة الوطنية، مشيرًا إلى أن هذه التجربة تعكس أهمية إعداد الدولة للدفاع، وليس فقط إعداد القوات المسلحة.
«العرق في السلم يوفر الدم في الحرب»
وأكد الغباري أن التدريب الشاق كان أحد أهم أسباب نجاح القوات المسلحة في حرب أكتوبر، مستشهدًا بالمبدأ المعروف داخل القوات المسلحة: «العرق في السلم يوفر الدم في الحرب».
وأوضح أن التدريب والتخطيط مكّنا المقاتل المصري من التعامل مع فارق الإمكانات الفنية والتسليحية، مشيرًا إلى تجربته الشخصية في مواجهة دبابات معادية كانت تتمتع بمدى نيران أكبر من الدبابات المصرية.
وأكد أن التغلب على هذا الفارق لم يكن ممكنًا إلا من خلال التدريب الجيد، وحسن استخدام الأرض، واختيار المواقع المناسبة، واستخدام وسائل التمويه والدخان، إلى جانب سرعة الحركة وحسن إدارة المعركة.
وأضاف أن الجندي المصري كان يمثل العنصر الأهم في المعركة، بما يمتلكه من إرادة وإصرار وروح قتالية وقدرة على تنفيذ ما تدرب عليه.
معركة الوعي.. حرب جديدة خلف الشاشات
وحذر الغباري من أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، وإنما انتقلت إلى ساحات أخرى، من بينها الفضاء الإلكتروني والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
وقال إن ما وصفه بـ«الطابور الخامس» أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين بصورة مباشرة من خلال الهواتف المحمولة، مشيرًا إلى أن الشائعات والمعلومات المضللة يمكن أن تصل إلى الشباب دون المرور بالوسائل التقليدية التي كانت تسمح للأسرة أو الدولة بالتدخل وتصحيح المعلومات.
وأكد أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب بناء الوعي والإدراك والتفكير النقدي، وعدم التعامل مع كل ما يصل إلى الإنسان عبر مواقع التواصل باعتباره حقيقة.
وأوضح أن الهدف من بعض حملات التأثير، بحسب رؤيته، هو ضرب مجموعة من القيم التي يقوم عليها المجتمع، مثل الأخلاق والعادات والتقاليد والثقة في مؤسسات الدولة والهوية والثقافة.
وشدد على أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتخلى الإنسان عن عقله ويصبح مجرد مقلد لما يراه أو يسمعه، مؤكدًا ضرورة التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها أو التفاعل معها.
«اسمع.. ثم فكّر قبل أن تنشر»
وأكد الغباري أن مواجهة الشائعات لا تكون بمنع الناس من الاستماع، وإنما بتعليمهم كيفية التفكير والتحقق مما يسمعونه.
وأوضح أن الإنسان يجب أن يميز بين مجرد سماع المعلومة وبين فهمها وتحليلها ومراجعتها في ضوء ما لديه من معرفة ومصادر موثوقة.
وقال إن الشخص الذي يمنح نفسه الوقت لفهم المعلومة والتحقق منها يصبح أقل عرضة للوقوع في فخ الشائعات أو إعادة نشرها.
وأضاف أن مسؤولية مواجهة الشائعات لا تقع على الدولة وحدها، وإنما تبدأ من الأسرة، التي يقع على عاتقها دور أساسي في توعية الأبناء وتعليمهم كيفية التعامل مع المعلومات المتداولة.
التحدي والتهديد.. مصطلحان مختلفان
وأوضح الغباري أن هناك فارقًا بين «التحدي» و«التهديد» في مفهوم الأمن القومي؛ فالتحديات يمكن أن تظهر في صورة ضغوط أو حملات أو شائعات يجري التعامل معها بالوسائل السلمية، بينما يتحول الأمر إلى تهديد عندما تستخدم القوة المباشرة ضد الدولة أو مصالحها.
وأشار إلى أن فهم طبيعة الخطر يمثل الخطوة الأولى في اختيار الوسيلة المناسبة للتعامل معه، مؤكدًا ضرورة إدراك المصريين لطبيعة التحديات التي تحيط بالدولة والمنطقة.
توثيق حرب أكتوبر.. آلاف الوثائق والسجلات
وكشف الغباري عن وجود جهود لتوثيق حرب أكتوبر من خلال لجنة تضم عددًا من المشاركين في الحرب، تعمل على مراجعة الوثائق والسجلات التي تم إعدادها خلال فترة الحرب.
وأوضح أن القوات المسلحة كانت تعتمد على سجلات لتوثيق سير الأحداث داخل الوحدات، بحيث يتم تسجيل ما يدخل إلى الوحدة وما يخرج منها وما تقوم به من مهام، وهو ما يوفر مادة تاريخية مهمة لإعادة بناء تفاصيل الحرب.
وأشار إلى أن عملية التوثيق تتضمن عددًا كبيرًا من الوثائق، موضحًا أن هناك آلاف الملفات والمستندات التي يجري التعامل معها، وأن بعض هذه الملفات يتضمن تقارير ووقائع موثقة بالتوقيتات والتوقيعات والملاحظات الرسمية.
وأكد أن أهمية هذه الوثائق تكمن في أنها تسمح للباحث والقارئ بالتعرف على حقيقة ما جرى خلال الحرب، بعيدًا عن الروايات غير الموثقة.
وأضاف أن الوثائق يتم ترتيبها وفق مراحل تنفيذ العمليات، بما يتيح للباحث الوصول إلى الملفات المرتبطة بكل مرحلة من مراحل الحرب.
«اقتحام قناة السويس وخط بارليف»
وشدد الغباري على أهمية استخدام المصطلحات الدقيقة عند الحديث عن حرب أكتوبر، موضحًا أن ما حدث لم يكن مجرد «عبور» لقناة السويس، وإنما كان اقتحامًا لقناة السويس وخط بارليف تحت نيران العدو.
وأشار إلى أن استخدام التعبير الصحيح يعكس طبيعة العملية العسكرية وحجم الصعوبات التي واجهها المقاتلون المصريون.
ولفت إلى أن بعض العسكريين الأجانب وصفوا حرب أكتوبر بأنها «معجزة»، مستشهدًا بقدرة القوات المسلحة المصرية على تدريب أعداد كبيرة من المقاتلين وإعدادهم لتنفيذ عملية العبور والاقتحام خلال فترة زمنية محدودة.
النصر لم يكن بالسلاح وحده
وأكد الغباري أن الانتصار في حرب أكتوبر لم يكن نتيجة امتلاك السلاح فقط، وإنما كان نتيجة تكامل السلاح مع الإنسان والتدريب والتخطيط والإرادة.
وقال إن المقاتل المصري استطاع من خلال التدريب والإصرار والتخطيط أن يتعامل مع فروق الإمكانات، وأن يحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة.
وأضاف أن هذا الدرس يمكن تطبيقه في الحياة اليومية، موضحًا أن النجاح لا يتحقق بمجرد الرغبة في الوصول إلى هدف معين، وإنما من خلال معرفة الإمكانات المتاحة، ووضع أهداف واقعية، وتقسيمها إلى مراحل، ثم متابعة النتائج ومعالجة الأخطاء.
53 عامًا من النصر.. ودروس لا تنتهي
واختتم اللواء محمد الغباري حديثه بالتأكيد على أن مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر لا يعني انتهاء الحديث عن دروسها، مشيرًا إلى أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة تفاصيل الحرب بصورة تجعلها تدرك قيمة الوطن والتضحيات التي قدمها المصريون من أجل استعادة الأرض.
وأكد أن أعظم ما يمكن أن تقدمه ذكرى أكتوبر للأجيال الجديدة هو تحويل الانتصار إلى منهج في العمل والتخطيط والصبر وتحمل المسؤولية، والحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية والوعي بحجم التحديات التي تواجه الدولة.
وأشار إلى أن حب الوطن لا ينبغي أن يظل مجرد شعار، وإنما يتحول إلى عمل حقيقي وإنجاز والتزام بالحفاظ على الدولة ومقدراتها.
وبحسب الغباري، فإن الدرس الأهم من أكتوبر ليس فقط كيف انتصر الجيش المصري في حرب، وإنما كيف استطاع الجيش والشعب، بالتخطيط والعلم والصبر والإرادة، تحويل المستحيل إلى واقع.





