رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا أعرف متى بدأت أحب مصر. ربما بدأت الحكاية من أغنية وطنية كنت أرددها وأنا طفلة دون أن أفهم كل كلماتها، أو من فيلم جعلني أتعاطف مع جندي لا أعرف اسمه، أو من درس قراءة في كتاب المدرسة يحكي لنا عن العبور، أو من موضوع تعبير كنا نكتبه عن نصر أكتوبر ونحن لا نعرف من الحرب إلا أنها كانت يومًا انتصرت فيه مصر.

كبرنا على هذه الحكايات، وعلى الأغاني الوطنية والأفلام التي كانت تجعلنا نحب الأرض أكثر، ونشعر بالفخر بجيشنا أكثر، وعلى شاشات التلفزيون التي كنا ننتظر أمامها احتفالات أكتوبر والعروض العسكرية ومشاهد النصر التي تتكرر كل عام، فنشعر أن السادس من أكتوبر ليس مجرد تاريخ في كتاب، وإنما ذكرى تخصنا نحن أيضًا. لم نشهد الحرب، لكننا عشنا أثرها؛ لم نرَ الجنود وهم يعبرون قناة السويس، لكن صورهم سكنت خيالنا، ولم نسمع أصوات الطائرات يوم العبور، لكن الحكايات والأغاني والأفلام جعلتنا نسمع صداها في وجداننا. وهكذا، دون أن ندري، بدأ يتشكل داخلنا معنى الانتماء.

وأذكر أن رحيل الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان من اللحظات التي اختلط فيها عندي معنى النصر بوجع الفقد. كنت طفلة، لكنني كنت أرى في عيون أسرتي احترامًا وحزنًا حقيقيًا على رجل ارتبط اسمه في ذاكرتي بانتصار أكتوبر. وبعده جاء زمن الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي كنا نحن الأطفال نعرفه بطريقة مختلفة تمامًا عن نظرة الكبار إليه. كنا نسمع في المدرسة تعبير «بابا حسني»، فنحن الأطفال السذج وقتها لم نكن ندرك المسافة بين رئيس الجمهورية وبين حياتنا اليومية؛ كنت أتعامل مع الأمر بمنتهى البراءة، وأشعر أن لي أبًا آخر هو «بابا حسني» رئيس الجمهورية. وأذكر حتى أن إحدى البنات في المدرسة كانت تعيش الفكرة فعلًا، وكلما اختلفنا على شيء قالت بمنتهى الثقة: «أنا بنت رئيس الجمهورية»! كنا أطفالًا نصدق الحكايات كما تصل إلينا، ونرى العالم ببراءة شديدة، وكان الرئيس بالنسبة لنا شخصية قريبة من البيت والمدرسة والتلفزيون، لا شخصية سياسية نحللها أو نختلف حولها.

ومع مرور السنوات، كبرت وكبرت معي قدرتي على أن أرى الأشخاص من دون أن أحولهم إلى رموز فوق الاختلاف. وقد أتفق أو أختلف مع أي رئيس، وهذا حق طبيعي، لكن تبقى ذكريات الطفولة جزءًا من تكويننا، وتبقى مصر أكبر من الأشخاص وأبقى من كل الأسماء.

ولهذا، كلما جاء أكتوبر، أشعر أنني لا أحتفل بشخص، وإنما أحتفل بمصر. مصر الجندي الذي عبر، والشهيد الذي لم يعد، والأم التي انتظرت، والأسرة التي عاشت لحظة الفخر، والطفل الذي حفظ الأغنية، والمعلم الذي حكى عن النصر، وكل مصري ورث هذه الذكرى حتى لو لم يكن قد وُلد وقتها.

نحن جيل لم يشهد الحرب، لكنه يحمل مسؤولية أن يوثقها للأجيال القادمة، لا باعتبارها حكاية قديمة نكررها كل عام، وإنما باعتبارها درسًا في قدرة المصري حين يؤمن بقضيته ويعمل من أجلها.

ومن هنا يأتي السؤال الذي أراه أهم من الاحتفال نفسه: كيف نكمل النصر؟

فإذا كان جيل أكتوبر قد عبر قناة السويس، فعلينا نحن أن نعبر قنوات أخرى؛ نعبر الجهل بالعلم، والفقر بالعمل والإنتاج، والفساد بالضمير والقانون، واليأس بالأمل، واللامبالاة بالمسؤولية. النصر الذي ورثناه لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى نرفع لها الأعلام ثم نعود بعدها إلى حياتنا كما كانت. أجمل وفاء لمن صنعوا أكتوبر أن نكمل ما بدأوه، كلٌ في موقعه، وكلٌ بما يستطيع.

والحب الحقيقي لمصر لا يعني أن نصفق لها طوال الوقت، كما أن الاختلاف معها أو نقد ما يؤلمها لا يعني أننا أعداء لها. ليس كل معارض خائنًا، وليس كل مؤيد مخلصًا. أحيانًا يكون النقد الصادق شكلًا من أشكال الحب، حين يكون هدفه الإصلاح لا الهدم، والبناء لا التشفي. فالوطنية ليست موقفًا سياسيًا، ولا انتماءً إلى شخص أو جماعة أو تيار؛ الوطنية أن تريد لمصر أن تكون أقوى، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على حماية أبنائها وصناعة مستقبلهم.

وأنا لا أنتمي إلا إلى مصر. لا أحسب نفسي على معارضة ولا على تيار ولا على جماعة. أنا مصرية الهوية، بنت الأرض دي، وأرى أن حب الوطن أوسع من أي تصنيف وأبقى من أي خلاف.

ولهذا أحب أكتوبر، ليس فقط لأنه ذكرى انتصار، ولكن لأنه يذكرني دائمًا بأن المستحيل ليس قدرًا، وأن الشعوب حين تمتلك الإرادة تستطيع أن تغير ما يبدو مستحيلًا. وأحب أن أراه بعين الطفلة التي كبرت على الأغنية والفيلم والكتاب، وبعين المرأة التي تعرف اليوم أن الحب وحده لا يكفي؛ فحب مصر مسؤولية، والعمل من أجلها مسؤولية، والحفاظ على تاريخها مسؤولية، وتركها أفضل للأجيال القادمة هو النصر الحقيقي الذي يجب أن نسعى إليه.

فأنا لا أنتمي إلا إلى مصر.

مصر التي أحببتها طفلة من أغنية وفيلم وكتاب..

مصر التي كبرت وأنا أكتشف أن حبها مسؤولية..

مصر التي انتصرت بالأمس، وتستطيع أن تنتصر غدًا إذا عرف أبناؤها كيف يكملون النصر.

مصر منصورة بأبنائها.. تحيا مصر

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء