هندسة الاستقلال القاري: كيف تعيد «قمة العلمين» صياغة الجغرافيا الاقتصادية
تحولت مدينة العلمين الجديدة إلى منصة لبحث مستقبل التعاون الاقتصادي والاستثماري في أفريقيا، مع انطلاق الدورة الأولى من منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، بالتزامن مع استضافة مصر الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، وقمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «النيباد».
ويجمع المنتدى، الذي يستمر حتى 4 أكتوبر، أكثر من 20 رئيس دولة وحكومة ونحو 1500 من قادة الأعمال والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية والتنموية، لبحث فرص تعزيز التجارة والاستثمار داخل القارة، ودفع تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والصناعة.
ويأتي تنظيم المنتدى تنفيذًا لقرار قمة الاتحاد الأفريقي الصادر في فبراير 2026، بما يستهدف إقامة منصة تجمع الحكومات ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص، وتدعم الانتقال من وضع الأطر والسياسات إلى توفير التمويل اللازم للمشروعات وتنفيذها.
وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح فعاليات المنتدى، أهمية تحويل التعاون الأفريقي إلى شراكات عملية تدعم التنمية وتفتح المجال أمام القطاع الخاص والشركات الناشئة، مشيرًا إلى أن تعزيز العمل المشترك يمكن أن يدعم قدرة القارة على الاستفادة من مواردها وفرصها الاقتصادية.
وشدد الرئيس على ارتباط التنمية الاقتصادية بالاستقرار، مؤكدًا أهمية احترام سيادة الدول وحسن الجوار والحوار في التعامل مع التحديات التي تواجه القارة، بما يساعد على تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتنمية.
من جانبه، قال الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، إن المنتدى يمثل منصة للحوار الاقتصادي الأفريقي، تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والتنموية، بهدف تحويل القرارات المتعلقة بالتكامل الاقتصادي إلى استثمارات ومشروعات وفرص عمل.
وتأتي أهمية مشاركة مؤسسات التمويل في المنتدى في ظل الحاجة إلى سد فجوة تمويل المشروعات القارية، خاصة مشروعات البنية التحتية والنقل والطاقة والربط بين الأسواق، والتي تتطلب رؤوس أموال كبيرة وفترات زمنية طويلة لتنفيذها.
وفي السياق ذاته، دعا رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيمي إلى زيادة القيمة المضافة للموارد الطبيعية الأفريقية، بدلًا من الاعتماد على تصدير المواد الخام، مؤكدًا أن التكامل بين دول القارة يمكن أن يدعم إنشاء صناعات تستفيد من الموارد المحلية وتزيد قدرة الاقتصادات الأفريقية على المنافسة.
وشارك القطاع الخاص الأفريقي بقوة في فعاليات المنتدى، ومن بين المشاركين رجل الأعمال النيجيري أليكو دانجوتي، مؤسس مجموعة دانجوتي، الذي أشار عقب لقائه الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إلى اهتمام المجموعة بفرص الاستثمار في مصر، خاصة في قطاعات الطاقة والأسمدة والكيماويات والأسمنت.
التجارة البينية في صدارة الأولويات
وتتصدر زيادة التجارة البينية الأفريقية أجندة المنتدى، بالتزامن مع جهود تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية «AfCFTA»، التي تستهدف توسيع حجم التجارة والاستثمار بين دول القارة وتقليل العوائق أمام حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال.
وأشار محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، إلى أن التجارة البينية الأفريقية بلغت نحو 220 مليار دولار في 2024، بما يمثل 14.4% من إجمالي تجارة القارة، مع تسجيل نمو بنسبة 12.4%.
وتعكس هذه الأرقام، وفقًا للمشاركين في المنتدى، حجم الفرصة المتاحة أمام الشركات الأفريقية لزيادة حضورها داخل أسواق القارة، بالتوازي مع تطوير شبكات النقل والطاقة واللوجستيات التي تمثل عنصرًا أساسيًا لزيادة حركة التجارة.
من الموارد إلى سلاسل القيمة
ولا تقتصر أجندة المنتدى على زيادة التجارة، إذ تركز المناقشات أيضًا على بناء سلاسل قيمة أفريقية في قطاعات الصناعة والزراعة والدواء والطاقة، بما يسمح بتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة داخل القارة.
ويطرح هذا التوجه تحديًا يتعلق بقدرة الدول الأفريقية على توفير التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة لإقامة مشروعات إنتاجية مشتركة، إلى جانب توفير الأطر التنظيمية التي تضمن سهولة انتقال الاستثمارات بين الأسواق.
كما تحظى مشروعات الربط القاري باهتمام خاص، سواء في مجالات الطرق والنقل أو الطاقة والكهرباء، باعتبارها أحد المتطلبات الأساسية لربط الأسواق وتقليل تكلفة انتقال السلع وتحسين قدرة الدول الحبيسة على الوصول إلى الموانئ والأسواق الخارجية.
التمويل.. الاختبار الأهم
وتضع أجندة المنتدى مسألة تمويل المشروعات في مقدمة التحديات التي تواجه تنفيذ خطط التكامل الأفريقي، خاصة أن العديد من المشروعات العابرة للحدود تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات طويلة لاسترداد رؤوس الأموال.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به مؤسسات مثل البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك» ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «النيباد» والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية، في توفير التمويل والضمانات وأدوات خفض مخاطر الاستثمار.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي الأفريقي أن زيادة الاعتماد على التمويل طويل الأجل يمكن أن تساعد في تنفيذ مشروعات البنية التحتية التي لا تحقق عوائد سريعة، لكنها تمثل أساسًا لزيادة النشاط الاقتصادي والتجارة بين الدول.
التنسيق القاري
ويتزامن المنتدى مع الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، الذي يناقش آليات التعاون بين الاتحاد والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، بما في ذلك «الكوميسا» وغيرها من التكتلات الاقتصادية.
ويستهدف الاجتماع تعزيز التنسيق بين المؤسسات القارية والتجمعات الإقليمية، بما يدعم تنفيذ أجندة التكامل الاقتصادي وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية.
وتعكس استضافة مصر لهذه الفعاليات تركيزًا متزايدًا على البعد الاقتصادي للعلاقات الأفريقية، في وقت تبحث فيه دول القارة عن زيادة التجارة البينية، جذب الاستثمارات، وتوفير التمويل اللازم للمشروعات العابرة للحدود.
وبينما تملك القارة موارد طبيعية وسوقًا تضم أكثر من مليار نسمة، يبقى التحدي الرئيسي أمام خطط التكامل الاقتصادي في القدرة على تحويل هذه المقومات إلى مشروعات ممولة وقابلة للتنفيذ، وهو ما يضع التمويل والشراكة مع القطاع الخاص في قلب أجندة المرحلة المقبلة.