رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفتي الجمهورية: الأديان سبقت الحداثة في ترسيخ المشترك الإنساني

إيجبتكِ

أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن قضية المشترك الإنساني تقوم على بعدين متكاملين، أحدهما ديني يرتبط بالنصوص والتعاليم التي أرست قيم التواصل والتعارف والتعاون بين البشر، والآخر فلسفي يتناول علاقة الإنسان بالآخر وما تفرضه من ضرورة التفاعل والتواصل والتأثير المتبادل.

المشترك الإنساني

وأوضح مفتي الجمهورية، خلال كلمته في المؤتمر الدولي الأول لدراسات الأديان، المنعقد تحت عنوان «الدين والمشترك الإنساني.. مقاربات معاصرة في اللاهوت والدراسات الدينية»، أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش منعزلًا عن غيره، وأن التفاعل الحضاري ليس خيارًا عابرًا، وإنما ضرورة إنسانية وتاريخية تفرضها طبيعة الاجتماع البشري، بما يجعل ترسيخ المشتركات الإنسانية مدخلًا لبناء علاقات أكثر توازنًا بين الشعوب والحضارات.

وأشار إلى أن المشترك الإنساني لا يمثل أمرًا طارئًا أفرزته الحداثة أو احتكرت الفلسفات المعاصرة تأسيسه، مؤكدًا أن الأديان كانت سباقة إلى التأصيل له والدعوة إلى ترسيخه في واقع الحياة، وأن المقاربات الحداثية استفادت من الروح النصية للدين والفهم السليم لتعاليمه.

الرحمة والسلام

وبيّن عياد أن قيم الرحمة والمحبة والسلام تمثل مظلة جامعة للمشتركات الإنسانية بين الأديان، مشيرًا إلى أن الرحمة تحظى بمكانة أصيلة في تعاليم الشرائع السماوية، باعتبارها قيمة دينية وأخلاقية تؤسس للعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتدعم مبادئ التراحم والتكافل وصون الكرامة الإنسانية.

وأكد أن استحضار هذه القيمة في المحافل الدينية لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التأصيل النظري، وإنما يجب أن يتحول إلى مسؤولية أخلاقية وإنسانية تدفع المؤسسات الدينية والعلماء والقوى المؤثرة إلى الإسهام في الحد من الحروب ودرء الصراعات وحماية المستضعفين، خاصة الأطفال والنساء والعجزة، مع التأكيد على رفض توظيف الشرائع السماوية في تأجيج النزاعات.

الهوية والانفتاح

ولفت مفتي الجمهورية إلى أن تعزيز المشترك الإنساني لا يستلزم التخلي عن الخصوصية الحضارية أو الذوبان في الآخر، موضحًا أن التوافق حول المصالح والقيم الإنسانية الجامعة يمكن أن يتكامل مع الاعتزاز بالهوية واستقلال الشخصية الحضارية.

وأضاف أن الانفتاح الواعي لا يعني الانصهار في مقومات الآخر، وإنما يقوم على إدراك متبادل لحدود الذات والآخر، بما يتيح التفاعل والتعاون دون التفريط في الثوابت والمقومات، مشيرًا إلى أن التراث الإسلامي يمتلك رصيدًا معرفيًا وتأصيليًا ثريًا يؤهله للإسهام في بناء رؤية متوازنة للعلاقة بين الأصالة والحداثة.

قراءة التراث

وحذر عياد من الدعوات التي تنادي بالقطيعة مع التراث أو تسعى إلى إسقاط المناهج الغربية قسرًا على النصوص والواقع، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي إلى إهدار جوانب من الرصيد المعرفي الأصيل وإضعاف فرص بناء عقلانية مستقلة تستجيب لحاجات المجتمعات وتطلعاتها التنموية.

وشدد على أن الحداثة الحقيقية لا تعني الانسلاخ عن مقومات الهوية، وإنما القدرة على استيعاب الموروث وإعادة قراءته ونقده وتوظيفه بصورة رشيدة، بما يحوله من إرث تاريخي إلى عنصر يمكن الاستفادة منه في صناعة الحاضر والمستقبل.

النص الديني

وتناول مفتي الجمهورية قضية تاريخية النص الديني وما ارتبط بها من أطروحات حداثية تسعى إلى قراءة النص القرآني في ضوء سياقاته التاريخية والاجتماعية، موضحًا أن بعض هذه الأطروحات يجعل الواقع منطلقًا مركزيًا في فهم النص، بما قد يفضي إلى إعادة النظر في تطبيقات بعض الأحكام بتغير الواقع.

وأكد أن الاستفادة من السياقات المختلفة في فهم النص لا تعني تحويلها إلى مرجعية بديلة عنه أو إخضاع الوحي لمناهج تفرغه من خصوصيته وثوابته، مشددًا على أهمية دراسة هذه الأطروحات ونقد منطلقاتها لحماية الوعي الديني وصيانة الفهم الصحيح للنصوص.

لجنة دولية

ونبّه عياد إلى أن تعزيز المشترك الإنساني يتطلب تكاملًا بين المؤسسات الدينية والأكاديمية والمجتمعية، وتحويل قيم التسامح والحوار وقبول الآخر إلى ممارسات فاعلة في مواجهة التعصب والصدام.

وأكد أن استمرار الحروب والنزاعات يستدعي الانتقال من البيانات والتوصيات إلى آليات عملية مؤثرة، مقترحًا تأسيس «لجنة دولية مشتركة لزعماء الأديان» تتولى التواصل المباشر مع صناع القرار والمشاركة في المحافل الدولية، وتنسيق الجهود للدعوة إلى وقف النزاعات وحماية المدنيين، وتحويل توصيات المؤتمرات إلى مبادرات عملية تعزز السلم.

وفي ختام كلمته، أعرب مفتي الجمهورية عن تطلعه إلى أن تثمر أعمال المؤتمر عن رؤى ومبادرات عملية ترسخ التسامح والعيش المشترك وتحمي كرامة الإنسان، مؤكدًا أن مواجهة الأزمات الراهنة تقتضي استعادة قيم الرحمة والسلام والتعاون، ومقدرًا جهود جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في دعم الحوار الأكاديمي والديني حول المشتركات الإنسانية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء