رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المعاملة بالمثل.. من سياسة ضبط الحدود إلى الرد الدبلوماسي على إثيوبيا

الرئيس السيسي ورئيس
الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي

في لحظة جديدة من التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، لجأت مصر إلى مبدأ "المعاملة بالمثل" في التعامل مع خطوة إثيوبية استهدفت أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية، في إجراء يعكس أداة قانونية ودبلوماسية تستخدمها الدول لحماية مصالحها وضمان التكافؤ في التعامل.

وأعلنت إثيوبيا، في الأول من أكتوبر 2026، اعتبار دبلوماسي مصري شخصا غير مرغوب فيه، وأبلغته بضرورة مغادرة أراضيها خلال 48 ساعة، من دون أن توضح في القرار المنشور سبب الإجراء.

 

وردت القاهرة بإجراء مماثل، إذ أعلنت مستشارا في السفارة الإثيوبية بالقاهرة شخصا غير مرغوب فيه، ومنحته المهلة نفسها لمغادرة البلاد.

 

2014  بداية مرحلة مختلفة

 

ويكتسب الحديث عن المعاملة بالمثل أهمية خاصة عند العودة إلى عام 2014، الذي شهد بداية مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الإثيوبية بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم.

 

ففي يونيو من ذلك العام، أكد الرئيس السيسي، خلال استقباله وزير الخارجية الإثيوبي آنذاك، أن التعامل مع أزمة سد النهضة يجب أن يقوم على إجراءات متبادلة لبناء الثقة، مع تأكيد حق إثيوبيا في التنمية مقابل مراعاة الاحتياجات المائية المصرية.

 

وفي قمة مالابو خلال الشهر نفسه، اتفق الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي ماريام ديسالين على مجموعة من المبادئ، من بينها تجنب إلحاق الضرر بمصالح أي من البلدين، وإنشاء لجنة عليا لتعزيز العلاقات والتنسيق في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية. 

 

وبذلك، لم تبدأ القاهرة في 2014 باستخدام المعاملة بالمثل باعتبارها سياسة عقابية تجاه إثيوبيا، وإنما ظهرت آنذاك بصورة مختلفة تقوم على "تبادل الالتزامات وبناء الثقة".

من التفاهم إلى التحذير من الإجراءات الأحادية

 

مع استمرار أزمة سد النهضة، انتقلت القاهرة تدريجيا من التركيز على بناء الثقة إلى التشديد على ضرورة أن تقابل إثيوبيا المرونة المصرية بخطوات مماثلة.

 

وفي 2021، أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها للإجراءات الإثيوبية الأحادية المتعلقة بملء سد النهضة، مؤكدة أن مصر تفاوضت لسنوات بهدف التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم، وأن استمرار الملء بصورة أحادية يخالف، بحسب الموقف المصري، الالتزامات الواردة في إعلان المبادئ الموقع عام 2015.

 

وفي المقابل.. واصلت القاهرة طرح التفاوض باعتباره المسار الأساسي لحل الأزمة، وهو ما ظهر أيضا في مذكراتها ومخاطباتها الدولية بشأن السد.

 

المعاملة بالمثل.. ليست مرتبطة بالسد وحده

 

ومن المهم التفريق بين المعاملة بالمثل كأداة قانونية ودبلوماسية عامة وبين الإجراءات الخاصة بأزمة سد النهضة.

 

فمصر تطبق هذا المبدأ في عدد من المجالات المتعلقة بالتعامل مع الدول الأجنبية، وعلى رأسها قواعد دخول حاملي بعض أنواع جوازات السفر، كما تستخدمه في بعض صور التعاون الدولي والعلاقات الدبلوماسية.

 

وفي أكتوبر 2014، على سبيل المثال، منعت السلطات المصرية أربعة دبلوماسيين أمريكيين يعملون في سفارة واشنطن بأديس أبابا من دخول مصر لعدم حيازتهم تأشيرات دخول مسبقة، وقالت السلطات إن القرار جاء تطبيقا لمبدأ المعاملة بالمثل.

 

وتوضح هذه الواقعة أن تطبيق المبدأ لا يعني بالضرورة اتخاذ إجراء ضد الدولة التي ينتمي إليها الشخص، وإنما يمكن أن يرتبط بالمعاملة التي تقدمها الدولة الأخرى للمواطنين أو حاملي جوازات السفر المصريين.

2016  تطبيق المبدأ في مطار القاهرة

 

وفي مارس 2016، رحلت السلطات المصرية دبلوماسية كندية وصلت إلى القاهرة من أديس أبابا من دون التأشيرة المطلوبة، بينما سمحت في الواقعة نفسها بدخول رئيسة اتحاد كرة السلة السنغالية بعد الحصول على موافقة الخارجية المصرية.

 

وذكرت تقارير آنذاك أن الإجراء الخاص بالدبلوماسية الكندية جاء تنفيذا لقواعد المعاملة بالمثل الخاصة بجوازات السفر الدبلوماسية.

 

القاهرة لم تطبق المبدأ آليا

 

وتكشف وقائع أخرى أن المعاملة بالمثل ليست قاعدة جامدة تطبق في كل حالة دون استثناء.

 

ففي مايو 2017.. سمحت السلطات المصرية لدبلوماسي تابع للاتحاد الأفريقي، وصل إلى القاهرة على متن رحلة قادمة من أديس أبابا، بالدخول رغم عدم وجود تأشيرة مسبقة، بعد الرجوع إلى وزارة الخارجية والحصول على الموافقة.

 

وكان الأصل أن يخضع لحكم المعاملة بالمثل، لكن السلطات قررت استثناءه بالنظر إلى طبيعة مهمته والظروف المحيطة بالزيارة.

 

وهذا يعكس أن المبدأ يعمل كأداة في يد الدولة، وليس كإجراء آلي لا يمكن تجاوزه.

 

2026  التطبيق المباشر مع إثيوبيا

 

وتأتي واقعة أكتوبر 2026 باعتبارها من أوضح الحالات المعلنة التي استخدمت فيها مصر مبدأ المعاملة بالمثل مباشرة تجاه إثيوبيا.

 

فبعد إعلان أديس أبابا الدبلوماسي المصري شخصا غير مرغوب فيه ومنحه 48 ساعة لمغادرة البلاد، اتخذت القاهرة إجراء مماثلا بحق مستشار في السفارة الإثيوبية، ومنحته المهلة نفسها.

 

وأكد مصدر مصري، أن القرار اتخذ صراحة تحت عنوان "تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل"

 

 

منذ 2014، مر استخدام مصر لمبدأ المعاملة بالمثل بمراحل مختلفة؛ ففي البداية برز مفهوم "التبادل وبناء الثقة" في إدارة العلاقة مع إثيوبيا، خصوصا في ملف سد النهضة، ثم ظهر المبدأ كأداة إجرائية في ملفات التأشيرات وحركة الدبلوماسيين، وصولا إلى استخدامه بصورة مباشرة في مواجهة إجراء دبلوماسي إثيوبي عام 2026.

 

واللافت أن السجل المتاح لا يثبت وجود سلسلة متصلة من إجراءات مصرية ضد إثيوبيا تحديدا تحت مسمى "المعاملة بالمثل" طوال الفترة من 2014 إلى 2026؛ لذلك فإن الأدق صحفيا هو القول إن "2026" تمثل حالة مباشرة وموثقة من تطبيق المبدأ تجاه إثيوبيا، بينما شهدت السنوات السابقة استخداما أوسع للمبدأ في العلاقات الدولية المصرية، إلى جانب سياسة تفاوضية متدرجة تجاه ملف سد النهضة.

 

وبذلك، فإن المعاملة بالمثل في الحالة المصرية لا تبدو مرتبطة بأداة واحدة، وإنما تمتد من التأشيرات وإجراءات الدخول، إلى التعامل الدبلوماسي، وصولا إلى مبدأ التكافؤ في الالتزامات والتصرفات بين الدول.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء