رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خلال لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع طلاب الأكاديمية العسكرية، تحدث الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عن تجربة عاشها أستاذًا جامعيًا في الإسكندرية، كان يخصص خمس دقائق قبل المحاضرة للحديث مع طلابه عن الشأن العام ،وأعلن أن هذا التوجه سيُطبق في الجامعات.

وقد تبدو الدقائق الخمس قليلة وسط محاضرة مزدحمة بالمناهج والامتحانات، لكنها تفتح نقاشًا مهمًا عن دور الجامعة: هل تكتفي بتدريس المعرفة التخصصية، أم تساعد الطالب أيضًا على فهم المجتمع والتحولات التي تجري حوله؟

إن قيمة التصريح لا تتوقف عند رقمه، بل تمتد إلى الفكرة التي يطرحها: أن بناء الوعي يمكن أن يبدأ من داخل قاعة الدرس، ومن حوار قصير ومنتظم بين الأستاذ وطلابه.

الجامعة ليست مكانًا لتلقين المعلومات ثم قياس القدرة على استعادتها في الامتحان؛ إنها مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يسأل، ويفحص، ويقارن بين الآراء، ويميز بين المعلومة والشائعة، وبين الاختلاف والتعصب. ومن هنا تكتسب مبادرة تخصيص وقت قصير للشأن العام أهميتها، إذا قُدمت باعتبارها حوارًا معرفيًا يربط التخصص بقضايا الناس، لا محاضرة إضافية تكرر ما يسمعه الطالب في كل مكان.

فطالب الطب مثلًا يستطيع أن يناقش أثر الصحة العامة في المجتمع، وطالب الاقتصاد يفهم انعكاس القرارات الاقتصادية على الأسرة، وطالب الهندسة يرى صلة تخصصه بالتنمية. بهذه الطريقة يصبح الوعي امتدادًا للتعلم، لا عبئًا منفصلًا عنه.


الفكرة واعدة، لكن نجاحها يتوقف على طريقة تنفيذها.

فالدقائق الخمس لا ينبغي أن تتحول إلى خطاب أحادي أو مساحة لفرض رأي بعينه، بل إلى فرصة لطرح أسئلة واضحة، وتقديم معلومات موثقة، والاستماع إلى وجهات نظر الطلاب باحترام. الأستاذ الجامعي يملك خبرة علمية ومكانة تربوية، ولذلك تقع على عاتقه مسؤولية أن يفتح باب التفكير النقدي، لا أن يغلقه؛ وأن يساعد الطالب على الوصول إلى فهمه، لا أن يطلب منه ترديد إجابة جاهزة.

وحين يختلف الطلاب، يمكن أن يصبح الاختلاف نفسه درسًا في الحوار واحترام الرأي الآخر، ما دام النقاش منضبطًا بالدليل والاحترام.

تحويل الفكرة إلى ممارسة داخل الجامعات يحتاج إلى وضوح: ما الموضوعات المناسبة؟ وكيف يُترك اختيارها لخصوصية كل تخصص والظروف المحيطة بالطلاب؟ وهل ستكون المشاركة اختيارية أم جزءًا من المحاضرة؟ وكيف نضمن ألا يُنتقص من وقت المقرر أو تتحول الدقائق إلى إجراء شكلي؟

لا تحتاج الإجابة إلى تعليمات معقدة، بقدر ما تحتاج إلى مبادئ عملية: مساحة قصيرة ومرنة، محتوى متصل بحياة الطلاب، اعتماد على مصادر موثوقة، وإتاحة الأسئلة والنقاش.

كما يفيد تقييم التجربة دوريًا عبر آراء الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، حتى تُعرف جوانب نجاحها وما يحتاج إلى تطوير، بدل الاكتفاء بإعلان تطبيقها.

إن حديث وزير التعليم العالي أمام الرئيس يضع الجامعة أمام فرصة لمراجعة معنى دورها في المجتمع. فالمطلوب ليس أن تتحول كل محاضرة إلى ندوة سياسية، ولا أن تُزاح مواد التخصص من جدول التعلم؛ المطلوب أن يتخرج الطالب وهو يمتلك علمًا في مجاله، وقدرةً على فهم ما يجري حوله، ووعيًا يساعده على اتخاذ موقف مسؤول

. خمس دقائق لا تصنع الوعي وحدها، لكنها قد تكون بداية جيدة إذا احترمت عقل الطالب، ووسعت مساحة السؤال، وربطت المعرفة بالحياة.

وعندما تصبح قاعة المحاضرة مكانًا للتعلم والحوار معًا، فإن أثرها يتجاوز درجات الامتحان إلى إعداد مواطن أكثر فهمًا وقدرة على المشاركة في مستقبل بلده.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء