رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

107 مليارات جنيه و3.9 مليون عميل.. كيف انفجر تمويل مشروعات متناهية الصغر؟

أعمال متناهي الصغر
أعمال متناهي الصغر

خلال 10 سنوات فقط، تغير حجم سوق التمويل متناهي الصغر في مصر بصورة لافتة، بعدما سجلت محفظة التمويل، بشقيها المصرفي وغير المصرفي، نموًا تجاوز 1570% منذ عام 2016 وحتى يونيو 2026، لتتخطى قيمتها 107 مليارات جنيه، وتصل قاعدة المستفيدين إلى أكثر من 3.9 مليون عميل.

الأرقام التي كشف عنها طارق الخولي، نائب محافظ البنك المركزي المصري، خلال المؤتمر الدولي «CERISE+SPTF Global Meeting 2026»، ترصد تحولًا تدريجيًا في تعامل القطاع المالي مع شريحة كانت تواجه صعوبة في الوصول إلى التمويل التقليدي.

نقطة التحول بدأت في 2016

كان عام 2016 نقطة مهمة في إعادة ترتيب علاقة البنوك بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بعدما ألزم البنك المركزي البنوك بتوجيه 20% من محافظها الائتمانية إلى المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

وفي 2021، رفع البنك المركزي النسبة المستهدفة إلى 25% من المحافظ الائتمانية، مع تخصيص 10% للمشروعات الصغيرة، ومنح البنوك فترة لتوفيق أوضاعها والوصول إلى المستهدفات الجديدة.

لم يكن الهدف مجرد زيادة الأرقام الائتمانية، وإنما توسيع قاعدة المشروعات التي تستطيع التعامل مع الجهاز المصرفي والحصول على التمويل الرسمي.

أكثر من 107 مليارات جنيه.. من أين جاءت الأموال؟

تتوزع محفظة تمويل المشروعات متناهية الصغر بين التمويل المصرفي المباشر والتمويل الذي يصل إلى العملاء عبر جهات متخصصة.

وبحسب الخولي، بلغ التمويل المباشر من البنوك للمشروعات متناهية الصغر نحو 33 مليار جنيه، فيما وصل التمويل غير المباشر إلى نحو 66.5 مليار جنيه، من خلال تمويل البنوك للجمعيات والشركات والجهات التي تتولى إقراض أصحاب المشروعات.

وبذلك تجاوز إجمالي التمويل المصرفي وغير المصرفي 107 مليارات جنيه، مع استفادة أكثر من 3.9 مليون عميل.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت محفظة تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر إجمالًا بنسبة 409% منذ عام 2015 وحتى يونيو 2026.

لماذا احتاجت المشروعات متناهية الصغر إلى قواعد مختلفة؟

أحد أكبر عوائق التمويل التقليدي أمام أصحاب المشروعات متناهية الصغر كان عدم امتلاك كثير من الأنشطة الصغيرة ميزانيات وقوائم مالية منتظمة يمكن للبنوك الاعتماد عليها في تقييم العميل.

ولهذا اتجه البنك المركزي إلى تطوير آليات تسمح بتقييم المشروع وفقًا لسلوكه ونشاطه وقدرته على السداد، بدلًا من الاعتماد فقط على القوائم المالية التقليدية.

وبحسب الخولي، تستهدف هذه الآليات تأهيل المشروع تدريجيًا لإعداد مراكز مالية وحسابات منتظمة، وبناء سجل مالي وائتماني يساعده لاحقًا على الوصول إلى نطاق أكبر من الخدمات التمويلية والمصرفية.

قطاع يمثل 99.3% من منشآت مصر

تأتي هذه القفزة في التمويل داخل سوق ضخم من حيث عدد المنشآت والعمالة.

ويبلغ عدد المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في مصر نحو 3.858 مليون منشأة، تمثل 99.3% من إجمالي المنشآت في البلاد.

وتستحوذ المشروعات متناهية الصغر وحدها على نحو 80% من إجمالي هذه المشروعات، مقابل 19% للمشروعات الصغيرة و0.7% للمشروعات المتوسطة، وفق نتائج التعداد الاقتصادي لعام 2022/2023 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما توفر هذه المشروعات نحو 12.5 مليون فرصة عمل، بما يمثل نحو 82% من إجمالي العمالة.

12.5 مليون فرصة عمل.. والبطالة عند 6%

يتزامن الوزن الكبير للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر في سوق العمل مع انخفاض معدل البطالة في مصر من نحو 9% إلى 6%، وفق ما أشار إليه نائب محافظ البنك المركزي.

ولا تعني هذه الأرقام أن التمويل متناهي الصغر وحده يقف وراء تراجع البطالة، لكنها توضح حجم الدور الذي تلعبه هذه المشروعات في استيعاب العمالة وتوفير مصادر دخل لملايين المصريين.

ومن هنا، أصبح التحدي بالنسبة للسياسات التمويلية يتجاوز مجرد توفير القرض إلى مساعدة المشروع على الاستمرار والنمو والانتقال تدريجيًا إلى الاقتصاد الرسمي.

المرأة تستحوذ على مساحة كبيرة من سوق التمويل

امتد التوسع في التمويل أيضًا إلى المشروعات التي تديرها السيدات.

وبحسب الخولي، تمثل المشروعات المملوكة أو المدارة بواسطة السيدات نحو 24% من إجمالي المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر الحاصلة على تمويل من القطاع المصرفي.

وفي قطاع التمويل متناهي الصغر غير المصرفي، تشكل السيدات نحو 53% من العملاء المستفيدين من جهات التمويل.

وأشار الخولي إلى أن مؤشرات القطاع تظهر انخفاضًا شديدًا في معدلات التعثر بين المشروعات التي تديرها السيدات، لتقترب في بعض الحالات من الصفر.

التمويل لم يعد وحده كافيًا

التوسع في القروض صاحبه اتجاه لتقديم خدمات غير مالية تساعد أصحاب المشروعات على تطوير أنشطتهم.

وتضم مبادرة «رواد النيل» 140 مركزًا لتطوير الأعمال في 25 محافظة، قدمت نحو 1.3 مليون خدمة غير مالية واستشارية لنحو 589 ألف مستفيد، بينهم 41% من السيدات.

كما ساهمت مراكز تطوير الأعمال في توفير تمويلات بقيمة تقارب 24 مليار جنيه، وتكشف هذه الأرقام عن تحول تدريجي في طبيعة الدعم المقدم للمشروعات الصغيرة، من مجرد توفير السيولة إلى تقديم خدمات تساعد صاحب المشروع على الإدارة والتطوير والوصول إلى التمويل.

من ضخ الأموال إلى بناء مشروعات قابلة للاستمرار

بعد قفزة تجاوزت 1570% خلال عقد، أصبح حجم سوق التمويل متناهي الصغر أكبر بكثير مما كان عليه في 2016، لكن زيادة حجم المحفظة ليست وحدها المؤشر الذي سيحدد أثر هذه التمويلات.

فالمرحلة المقبلة ترتبط بقدرة المشروعات على استخدام التمويل في التوسع والإنتاج وتوفير فرص العمل، مع الحفاظ على معدلات تعثر منخفضة وحماية حقوق العملاء.

وفي هذا السياق، أكد الخولي أن استراتيجية البنك المركزي لا تستهدف زيادة حجم التمويل فقط، وإنما مساعدة المشروعات غير الرسمية على الانتقال تدريجيًا إلى الاقتصاد الرسمي، وبناء سجل مالي وائتماني يتيح لها الوصول إلى خدمات تمويلية أوسع.

وبذلك، فإن قصة الـ1570% لا تتعلق فقط بزيادة قيمة القروض، وإنما بتغير أوسع في خريطة التمويل نفسها: بنوك أكثر انخراطًا، وجهات تمويل غير مصرفية أكثر حضورًا، ملايين العملاء، وقاعدة هائلة من المشروعات التي أصبحت جزءًا أساسيًا من سوق التمويل الرسمي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء