اتفقت آراء (المتابعين - المحللين - الخبراء الاستراتيجيين على مستوى العالم و الأمريكيين منهم والسياسيين) بأن حكومة نتانياهو، قد ورطت دونالد ترامب فى أتون حرب على إيران، وصفتها حكومة اليمين باسرائيل بأنها ستكون عاجلة قاصمة وخاطفة كالبرق، وأقنعوا ترامب بذلك ، و أقنعوا أيضاً وزارة حربه، و قادة و رؤساء أركان أفرعها الرئيسية المختلفة .
- وها هي الحرب تدخل شهرها التاسع ولاتنتهي، بل تتمدد لأبعد وأبعد، تماماً كما أدركتها إيران حتى قبل قيامها، وأثناء حشد الأساطيل الضاربة لها في بحار العرب ومحيط الهنود، أدركتها مطولة، واستنزافية وإقليمية وواسعة تماماً، كما أعلنوا وروجوا لها قبل ان تستعر .
- من هنا و بالضرورة فإن سؤالاً غائباً يبدو أنه يبزغ شيئا فشيئ؛ ليفرض نفسه بالإجبار وهو : إن نجحت اسرائيل بتوريط أمريكا في ذلك الفخ السحيق بالحرب على إيران، فهل كانت تعلم أيضاً أنها حرب لايمكن حسمها ؟!!
- والإجابة فى تقديري هي (نعم) حيث أرتكز فيها على الآتي :
- أن أجهزة المعلومات والمخابرات الاسرائيلية ومنذ عقود مضت (وكلنا يعلم ذلك)، وحتى قيام حرب فبراير/٢٠٢٦ كانت قد تمكنت من اختراق الداخل الإيراني، والتغلغل فى أواصره الى مدى خطير وعميق، حتى أنها كانت تملك بنكاً من المعلومات الدقيقة عن كافة البيانات الشخصية لكبار القادة العسكريين والسياسيين ورجال الدين، وعلماء الذرة ومهندسيها، فضلاً عن أماكن إقامتهم وطرق ومسارات تحركاتهم اليومية من وإلى أعمالهم ووظائفهم أو حتى أي تحركات أخرى، رأينا ذلك فى تمكن عناصر مخابرات دولة الاحتلال من تنفيذ سلسلة من الاغتيالات المتتالية؛ بتوقيتات متقاربة، لشخصيات هامة واعتبارية بمختلف مجالات الوظائف العسكرية، والأمن الداخلى والقومي، والوظائف الحساسة بمجال علوم الفيزياء والكيمياء بإيران خلال عامي ٢٠٢٥ و ٢٠٢٦ ،
- بل سبق ذلك اغتيال اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس فى إيران فى يوليو/٢٠٢٤ أثناء تواجده بطهران لحضور مراسم تولي مسعود بزشكيان رئاسة إيران.
- هذا؛ ويعد الحصول على هذا النوع من المعلومات (من وجهة نظر علمية وفنية مخابراتية بحتة)؛ أمراً صعباً ومعقداً بنسبة كبيرة، وخاصة إن كانت المعلومات بهذه الدقة العالية، ما يجعل محيط بيئتها التنفيذية من حيث (التخطيط - التكليف - التجميع - التصنيف/التبويب - التحليل ومن ثم التنفيذ) متفوقة فى صعوبتها بفارق ليس صغيراً؛ عن بيئة ومناخ المعلومات المطلوب الحصول عليها، عن قدرة وكفائة وجاهزية واستعداد القوات المسلحة بأفرعها المختلفة لإيران، وكذلك عناصر الحرس الثوري، وأي قوات أو باراميليشيا تعمل تحت صفوفها بالدولة الفارسية .
- فكيف عندما استعرت الحرب واشتد وطيسها؛ فوجئت أمريكا (المحسوب تورطها على إسرائيل بالاعتماد حتى على معلومات أجهزة الأخيرة بشكل مباشر إضافة لأجهزتها القومية)، كيف لها أن تتفاجئ بهذا الرد الإيراني العسكري العنيف، الذي وبشهادة شبكة أخبار CNN ومنصات إعلامية أخرى (فورين بوليسي - ذا نيويوركرز - وول ستريت جورنال - وغيرها) .. تفاجئت به وأسفر عن خسائر مادية فادحة، بالقواعد العسكرية الأمريكية، بدول مجلس التعاون الخليجي GCC ،والأردن، والعراق من خلال ذراع عسكري وحيد لإيران استخدمته بكفاءة وكثافة كبيرتين، ودقة فى الإصابات عالية (سلاح الباليستيات التقليدية والفرط صوتية ترافقه منظومة المسيرات الموجهة المتسكعة منها والذكية)؛ كما ولاتزال المواجهة بين الطرفين قيد إعادة الاشتعال بأي لحظة، مع تأكيد إيراني مستمر بأن مخزوناً كبيراً من الذخائر بقدرات نيرانية أكثر فتكاً جاهز للاستخدام.
- فلا مساحة منطقية مقبولة لحدوث مثل ماحدث عدا (فى معظم التقدير) أن مكيدة مخابراتية إسرائيلية متعمدة ومحبوكة، قد تم حياكتها بعناية، ومن ثم تعميم ظلالها على الإدارة الأمريكة (صاحبة وزارة الحرب المتواضعة فنياً" وتحديداً في التخطيط الاستراتيجي، وأنشطة المخابرات، كما يشار إلى استقالة وزيرة المخابرات الوطنية تولسي جابارد فى يونيو/٢٠٢٦ بعد تحقيق مكثف معها بالكونجرس واعترافها بإخفاق منظومة عملها فيما يخص الحرب على إيران.
- ولكن؛ لماذا قد تتجه إسرائيل لمثل هكذا فعلاً مخادعاً مع حليفها وراعيها الأول ؟!
في التقدير للأسباب الآتية :
١- وهو أن حرب مطولة أمريكية/إيرانية هي المناخ الأنسب والأءمن لدولة الاحتلال للتحرك عسكرياً (تستراً بمظلة الحرب الدائرة) لتمضي قدماً بمخطط توسعاتها الجيوبوليتيكية (الجيوسياسية)؛ باحتلال أراضي بدول الجوار والتمكن من فرض السيطرة الميدانية عليها (راجع مقال الهدف لبنان و الفخ فى إيران !)، الأمر الذي يلزمه وقتا مطولا لحبك واحكام ترتيباته .
٢- أن حرباً لاتنتهي، ولا يمكن حسمها مع إيران، هي ضامناً ممتازاً لاستمرار انخراط أذرع الأخيرة فى شبه الجزيرة بذات الحرب وأهمهم (حزب الله - انصار الله الحوثي - عصائب أهل الحق - ميليشيا الحشد الشعبي - حركة النجباء وغيرهم)؛ وبالتالي تمكين إسرائيل من فرض سرديتها الأمنية البائسة على مسامع المجتمع الدولي، ومحاولة اكتساب سعة سياسية دولية لصالحها، تشرعن من خلالها سرقتها للأراضي، و الاستمرار فى رفضها للهدنات، و نقضها للمعاهدات المبرمة تحت ذريعة حماية أمنها القومي .
٣- أن إغلاق الممر الملاحي الاستراتيجي (هرمز) ومن بعده (باب المندب "هرمز٢") كان مدرجاً بالتقدير الاستراتيجي لدى إسرائيل، والذي فى الأغلب يمكن احتسابه إغلاقا إيجابياً و فى صالحها لها وحدها، وعلى عكس كل العالم الذي اختنقت تجارة نفطه وتعطلت سلاسل إمداده ، ومع العجز الأمريكي المدهش فى حل الأزمة، بحيث يتم استقطاب أغلب دول العالم؛ وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي، لمعاداة إيران، ومن ثم توليد فرصة لتوسعة دائرة الصراع ضدها، والتي هي فى الأصل (إيران)،
وكما يتوارد من معلومات مستمرة يتم دعمها من دول أخرى قريبة منها جغرافياً، وكبيرة سياسياً وعسكرياً، ما يجعل اتساع دائرة الحرب بمقابيس مضاعفة أمراً وارداً بصورة كبيرة في المستقبل المنظور، ما يخدم مصالحها فى تحقيق أطماعها بشكل مباشر.
- أما فى إطار ماسبق، فإن دولة الاحتلال بحكومة يمينها المتطرفة، لاتنفك تسعى اإشعال نيران الحروب يمنة تارة، ويسرة أخرى، طالما مكنها ذلك من تحقيق مخططاتها التوسعية، والبداية الأكبر لم تكن فى حربها الغاشمة على غزة ، بل فى حربها بالتعاون مع أمريكا ضد إيران، لتنسحب منها بهدوء، وخلسة، مع ضمان استمرار بقاء أمريكا فى أتونها ،
- غير أن المتعاونة الأولى (إسرائيل) أخفت معرفتها أن الحرب استنزافية، بينما المتعاونة الثانية (أمريكا)، لم تكن تدرك انها فى حرب لاحسم لها، والبرهان الدامغ كان فى استقالة "تولسي جابرد" التي قفزت من المركب مبكراً، و هى على يقين أنه كان القرار الأفضل لها !