مصر والسعودية.. علاقات أخوية تتجاوز السياسة والاقتصاد
تتجاوز العلاقات المصرية السعودية حدود العلاقات الدبلوماسية والمصالح السياسية والاقتصادية، لتستند إلى روابط شعبية وتاريخية راسخة، تجمع الشعبين بعلاقات النسب والمصاهرة، في امتزاج اجتماعي وإنساني يعكس عمق الروابط بين البلدين، ويجعل هذه العلاقات نموذجًا فريدًا من التواصل والتلاحم العربي.
وجاءت الحفاوة الرسمية والشعبية بزيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة، لتضيف مشهدًا جديدًا إلى سجل العلاقات الأخوية التي تجمع مصر والمملكة العربية السعودية، وتؤكد مجددًا متانة الروابط التي تربط البلدين قيادة وشعبًا.
وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي في مقدمة مستقبلي الأمير محمد بن سلمان لدى وصوله إلى مطار القاهرة الدولي، كما حرص على توديعه لدى مغادرته، في مشهد عكس خصوصية العلاقات بين القاهرة والرياض.
ترحيب شعبي واسع بزيارة ولي العهد السعودي
ولم تقتصر مظاهر الترحيب بزيارة ولي العهد السعودي على المستوى الرسمي، بل امتدت إلى الشارع المصري ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تصدر هاشتاج #محمد_بن_سلمان_في_مصر منصة «إكس»، وسط تفاعل واسع من المصريين والسعوديين، الذين عبروا عن سعادتهم بالزيارة واعتزازهم بالعلاقات التاريخية التي تجمع البلدين والشعبين.
كما تصدر هاشتاج #مصر_والسعودية_معًا منصة «إكس»، وشهد تفاعلًا واسعًا من المغردين الذين احتفوا بالزيارة، مؤكدين أن العلاقات المصرية السعودية تستند إلى تاريخ طويل من التعاون والتضامن والمصالح المشتركة.
وعبر مغردون مصريون عن ترحيبهم بولي العهد السعودي باعتباره ضيفًا عزيزًا على مصر، فيما أكد مغردون سعوديون أن الزيارة تعكس عمق الأخوة الراسخة بين البلدين، وما تشهده العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة والرياض من تطور مستمر.
ولي العهد السعودي يشكر الرئيس السيسي على حفاوة الاستقبال
وعقب مغادرته القاهرة، بعث الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، برقية شكر إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، أعرب خلالها عن بالغ امتنانه وتقديره لما لقيه والوفد المرافق له من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.
وأكد ولي العهد السعودي، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء السعودية «واس»، أن الزيارة والمباحثات التي أجراها مع الرئيس السيسي أكدت متانة العلاقات الأخوية بين البلدين، والرغبة المشتركة في تعزيز التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب مواصلة التنسيق والتشاور بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
السيسي: أمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري
وعلى المستوى الرسمي، رحب الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر، مؤكدًا عمق العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين الشقيقين، كما نقل تحياته إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وهنأه وولي العهد والشعب السعودي بمناسبة قرب حلول اليوم الوطني السعودي في 23 سبتمبر.
وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن مراسم الاستقبال شملت التقاط صورة تذكارية بمناسبة الزيارة، أعقبها لقاء ثنائي مغلق بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي، ثم جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، قبل أن يقيم الرئيس مأدبة غداء تكريمًا لضيف مصر والوفد المرافق له.
من جانبه، أعرب الأمير محمد بن سلمان عن تقديره لحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، ونقل تحيات خادم الحرمين الشريفين إلى الرئيس السيسي، مؤكدًا رسوخ الروابط الأخوية بين البلدين، ومعربًا عن سعادته بزيارة مصر ولقاء الرئيس السيسي، ومثمنًا ما تشهده العلاقات الثنائية من تطور مستمر.
وأكد الجانبان أن العلاقات المصرية السعودية لا تقبل إلا أن تكون نموذجًا للعلاقات العربية، مشددين على أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري.
كما أكدت مصر رفضها وإدانتها الكاملة لأي اعتداءات أو تهديدات تمس سيادة المملكة واستقرارها وسلامة أراضيها أو حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، في ظل الظروف الإقليمية الراهنة التي تتطلب مزيدًا من التضامن والتنسيق بين البلدين.
تنسيق مصري سعودي لمواجهة التحديات الإقليمية
وشهدت المباحثات تأكيدًا على وحدة المصالح والأهداف بين مصر والسعودية، وضرورة تعزيز التنسيق والتشاور بشأن التطورات الإقليمية والتحديات الراهنة.
وجدد الرئيس السيسي موقف مصر الثابت الداعم للمملكة العربية السعودية والدول العربية في مواجهة الظروف الإقليمية الحالية، فيما أعرب ولي العهد السعودي عن تقديره للمواقف المصرية الداعمة لجهود الاستقرار والسلام في المنطقة، مثمنًا التضامن والمساندة المصرية للمملكة في مواجهة التحديات الجيوسياسية الأخيرة.
كما أكد الجانبان حرصهما على ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وشدد الرئيس السيسي على دعم مصر للإجراءات التي تتخذها المملكة لحماية أمنها واستقرارها، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى التوصل لحل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية.
خطوات جديدة لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري
لم تقتصر المباحثات على الملفات السياسية والأمنية، إذ اتفق الزعيمان على تكثيف العمل لوضع وتنفيذ إجراءات عملية لتطوير التعاون الثنائي، وإزالة العقبات التي قد تحول دون زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري، بما يواكب قوة العلاقات التاريخية والجوار الاستراتيجي بين البلدين.
وتعكس هذه التوجهات رغبة مشتركة في نقل العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والرياض إلى مستويات أكثر تقدمًا، والاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلدان في قطاعات الاستثمار والتجارة والطاقة والبنية التحتية وغيرها من المجالات.
نحو قرن من العلاقات المصرية السعودية
وتستند الحفاوة المتبادلة بين البلدين إلى تاريخ طويل من العلاقات المصرية السعودية، تعود جذوره إلى نحو قرن، وشهدت تطورًا ملحوظًا منذ توقيع معاهدة الصداقة بين مصر والمملكة العربية السعودية عام 1926.
وخلال التاريخ المعاصر، برزت مواقف مشتركة عكست قوة العلاقات بين البلدين، من بينها دعم المملكة العربية السعودية لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي، إلى جانب إسهام الجهود المصرية في دعم مواقف دول الخليج وتعزيز سيطرتها على ثرواتها النفطية.
وتواصل التعاون بين القاهرة والرياض في مختلف المجالات، كما التقى البلدان في دعم القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فضلًا عن المواقف المتبادلة الداعمة لاستقرار المنطقة.
وازدادت العلاقات قوة خلال السنوات الماضية، لا سيما في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، مع تعدد الزيارات واللقاءات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين.
«إعلان القاهرة» يؤسس لمزيد من التكامل
وفي يوليو 2015، صدر «إعلان القاهرة» في ختام مباحثات الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي، متضمنًا تأكيد البلدين تطوير التعاون العسكري، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وزيادة الاستثمارات المتبادلة.
وفي عام 2016، وقع الرئيس السيسي والملك سلمان بن عبدالعزيز في قصر عابدين 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، إلى جانب توقيع اتفاقيات أخرى في مجالات متعددة، من بينها التعاون الجمركي والاستثمارات المرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة السعودي في مصر.
الاقتصاد.. ركيزة أساسية للشراكة المصرية السعودية
ويمثل التعاون الاقتصادي أحد أهم أركان الشراكة بين مصر والسعودية، حيث تعد المملكة من أكبر الشركاء التجاريين لمصر، فيما تمثل الاستثمارات السعودية أحد أبرز مصادر الاستثمار العربي في السوق المصرية.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 7 مليارات دولار، منها نحو 1.8 مليار دولار صادرات مصرية إلى المملكة، مقابل 5.2 مليار دولار واردات مصرية من السعودية.
كما تجاوز حجم الاستثمارات السعودية في مصر 30 مليار دولار، إلى جانب ودائع سعودية لدى البنك المركزي المصري تبلغ نحو 10.3 مليار دولار، بما يعكس حجم التشابك الاقتصادي بين البلدين.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، سجل حجم التبادل التجاري بين مصر والمملكة العربية السعودية نحو 82.2 مليار دولار خلال الفترة من 2021 إلى 2025، بمعدل نمو مركب بلغ 5.66%.
وخلال عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 18.1 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 11% مقارنة بعام 2024، وفقًا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء.
وتعكس هذه المؤشرات عمق الشراكة الاقتصادية بين القاهرة والرياض، خاصة مع تنوع السلع والخدمات المتبادلة، وتنامي الاستثمارات المشتركة، بما يعزز مكانة العلاقات الاقتصادية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
شراكة تتجاوز المصالح إلى وحدة المصير
وبين الروابط الشعبية والتاريخية، والتنسيق السياسي والأمني، والتعاون الاقتصادي والاستثماري، تبدو العلاقات المصرية السعودية أكبر من مجرد شراكة تقليدية بين دولتين، إذ تستند إلى شبكة واسعة من المصالح والروابط الإنسانية والتاريخية.
وتؤكد الزيارات واللقاءات المتبادلة بين قيادتي البلدين أن القاهرة والرياض تتجهان نحو مزيد من التنسيق والتكامل، في ظل تحديات إقليمية متسارعة، بما يعزز دور البلدين باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للأمن والاستقرار في المنطقة العربية.





