كلمة في الطائرة أنهت مشواره.. قصة رحيل علي حمدي الجمال
تحل اليوم الجمعة 11 سبتمبر، ذكرى رحيل الصحفي الكبير علي حمدي الجمال، أحد أبرز رموز الصحافة المصرية، الذي عُرف بلقب «الصحفي النبيل» و«شهيد متاعب المهنة»، وتميز بالبساطة والوسطية والهدوء في النقاش، كما كان يجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، وتوافقت عليه واحترمته مختلف التيارات الصحفية.
وكان علي حمدي الجمال صاحب قلم شريف، وترك مسيرة مهنية بارزة بين أخبار اليوم والأهرام، كما تولى منصب نقيب الصحفيين، وارتبط اسمه بمواقف مهنية ونقابية أكدت تمسكه بأخلاقيات الصحافة واستقلال النقابة. ورحل في مثل هذا اليوم عام 1979، بعدما ارتبطت أيامه الأخيرة بقرار عزله من الأهرام على خلفية علاقته بمحمد حسنين هيكل.
بداية مختلفة
ولد الصحفي علي حمدي الجمال في سبتمبر عام 1925، وتخرج في كلية الزراعة، ثم درس بمعهد الصحافة وتخرج فيه عام 1949، وبعد تخرجه مباشرة عمل في مصنع ألبان كان يمتلكه والده.
وكانت بدايته الصحفية من خلال جريدة «الزمان المسائية»، التي كان يرأس تحريرها خاله الصحفي جلال الدين الحمامصي، ثم انتقل للعمل محررًا في دار أخبار اليوم، حتى وصل إلى منصب نائب رئيس التحرير.
من «الزمان» إلى الأهرام
انتقل علي حمدي الجمال إلى جريدة الأهرام بناءً على طلب محمد حسنين هيكل، وبدأ كتابة باب «حديث الناس» اليومي، الذي كان يهدف إلى ربط القراء بالجريدة من خلال الرد على تساؤلاتهم ومشكلاتهم.
وظل باب «حديث الناس» مرتبطًا باسم علي حمدي الجمال حتى رحيله، وتولاه من بعده عبد الوهاب مطاوع، الذي طوّره ليصبح من أنجح أبواب الأهرام وأكثرها جذبًا للقراء، بعد تغيير اسمه إلى «بريد الأهرام»، مع توسيع نطاقه ليشمل المشكلات الاجتماعية والعاطفية إلى جانب قضايا القراء.
أساتذة الصحافة
وحكى علي حمدي الجمال عن بدايته الصحفية قائلًا إنه مارس في البداية مهنًا مختلفة، من بينها صناعة الألبان، موضحًا أنه عمل فيها كمحترف، بينما مارس الصحافة في البداية كهاوٍ، قبل أن يترك صناعة الألبان ويتجه إلى العمل الصحفي وصناعة الأخبار.
وقال إنه بدأ العمل صحفيًا في أخبار اليوم، وظل بها حتى عام 1957 مخبرًا صحفيًا في مجلس الوزراء ومجلسي الشيوخ والنواب، ثم انتقل من أخبار اليوم إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط، ومنها إلى الأهرام، حيث بدأ العمل محررًا سياسيًا.
وأشار الجمال إلى أنه تعلم من عدد من كبار الصحفيين، من بينهم جلال الدين الحمامصي ومصطفى أمين وحسنين هيكل، لكنه اعتبر كامل الشناوي على وجه الخصوص مدرسة كبيرة، مؤكدًا أنه تعلم منه التاريخ والأدب والسياسة والفن، وليس الصحافة فقط.
أخلاق المهنة
انتُخب علي حمدي الجمال نقيبًا للصحفيين في دورة عام 1971، ودخل أول انتخابات تُجرى وفقًا للقانون رقم 76 لسنة 1970، الذي استحدث انتخاب النقيب مباشرة من بين أعضاء الجمعية العمومية، وانتخاب أعضاء المجلس في قائمة منفصلة لمدة 4 سنوات، بينما تكون مدة النقيب عامين، مع التجديد لنصف أعضاء المجلس.
وخاض الجمال الانتخابات في منافسة مع أستاذه جلال الدين الحمامصي، وتمكن من الفوز بفارق بسيط، ليؤكد خلال فترة توليه النقابة حضوره المهني والنقابي.
موقف أمام السادات
اعتبر الرئيس السادات علي حمدي الجمال من رجال محمد حسنين هيكل في الأهرام، ووصف الأهرام في عهده بأنها كانت تُدار من «عزبة هيكل» في برقاش.
وسجلت مسيرة الجمال موقفًا نقابيًا بارزًا عندما طلب منه الرئيس السادات، وكان وقتها نقيبًا للصحفيين، فصل عدد من الصحفيين الذين كانوا يعملون في الخارج، وكانوا من معارضي السادات وينتقدونه، وحرمانهم من ممارسة المهنة.
وكان من بين هؤلاء محمود أمين العالم، وغالي شكري، ومحمود السعدني، وسعد زغلول فؤاد، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم، إلا أن علي حمدي الجمال عارض فكرة إصدار قرارات بفصل الصحفيين من النقابة، ووافقه مجلس النقابة بالإجماع، رغم الضغوط الشديدة التي تعرض لها من السادات.
وتبعه في هذا الموقف النقيب كامل زهيرى، الذي أعلن شعاره الشهير بأن عضوية النقابة كالجنسية ولا يجوز إسقاطها، وهو ما دفع السادات إلى الإعلان عن تحويل النقابة إلى نادٍ، الأمر الذي رفضه جموع الصحفيين.
تكريم في يوم الرحيل
مثل علي حمدي الجمال نقابة الصحفيين في الاجتماع الذي عقدته الأمم المتحدة في نيويورك بشأن حقوق الصحافة والصحفيين، كما حصل على جائزة «إدجار جلاد» السنوية لأحسن ريبورتاج لصحفي يقل عمره عن 30 عامًا.
وفي مساء يوم وفاته، مُنح علي حمدي الجمال وسام الجمهورية من الطبقة الأولى، تقديرًا لمسيرته ومشواره الصحفي.
كلمة أنهت حياته
في سبتمبر عام 1979، رافق الصحفي علي حمدي الجمال حسني مبارك، الذي كان نائبًا لرئيس الجمهورية وقتها، في رحلة إلى الولايات المتحدة لتسليم رسالة من الرئيس السادات إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
وخلال الرحلة، وأثناء وجودهما على متن الطائرة، أبلغ مبارك علي حمدي الجمال بقرار السادات عزله من الأهرام إدارةً وتحريرًا، بسبب علاقته بمحمد حسنين هيكل.
وبعد وصول الطائرة إلى واشنطن، أصيب الجمال بالإجهاد والتعب، وأثناء وجوده مع صديقه محمد حبيب، مستشار مصر الثقافي في واشنطن، في أحد المقاهي، سقط الجمال على الأرض وفارق الحياة في 11 سبتمبر عام 1979.
وعاد جثمانه إلى مصر، وخرجت جنازته في مشهد مهيب حضره عدد كبير من الصحفيين، ليرحل واحد من أبرز أبناء الصحافة المصرية، تاركًا خلفه مسيرة مهنية ارتبطت بالقلم الشريف والدفاع عن أخلاقيات المهنة واستقلال النقابة.





