رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«جيرنيكا» شاهدة على الحرب.. رحلة لوحة بيكاسو من باريس إلى مدريد

لوحة «جيرنيكا» الشهيرة
لوحة «جيرنيكا» الشهيرة

«جيرنيكا».. 45 عامًا على عودة لوحة بيكاسو إلى إسبانيا بعد عقود من الغياب
عادت لوحة «جيرنيكا» الشهيرة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو إلى إسبانيا في 10 سبتمبر عام 1981، بعد رحلة طويلة قضتها خارج البلاد، لتصبح عودتها واحدة من أبرز المحطات في تاريخ العمل الفني الذي تحول إلى رمز عالمي لمناهضة الحرب والعنف.


وجاءت عودة اللوحة إلى إسبانيا بعد نحو أربعة عقود من وجودها في الولايات المتحدة، تنفيذًا لوصية بيكاسو الذي اشترط ألا تعود «جيرنيكا» إلى بلاده إلا بعد استعادة الحريات الديمقراطية، في ارتباط واضح بين العمل الفني والموقف السياسي الذي أحاط بولادته ورحلته.


«جيرنيكا».. لوحة ولدت من رحم الحرب


استوحى بيكاسو لوحته من قصف مدينة جيرنيكا الباسكية عام 1937 خلال الحرب الأهلية الإسبانية، في هجوم جوي نفذته طائرات ألمانية استهدف المدينة التي كانت مؤيدة للجمهوريين المناهضين لقوات الجنرال فرانشيسكو فرانكو.


وكانت الحكومة الجمهورية الإسبانية قد كلفت بيكاسو بإعداد عمل فني للمشاركة في الجناح الإسباني بمعرض باريس الدولي لعام 1937، إلا أن مأساة جيرنيكا دفعته إلى تحويل القصف والدمار الذي تعرضت له المدينة إلى موضوع رئيسي للعمل.


ومن خلال اللوحة، لم يقدم بيكاسو مشهدًا واقعيًا للقصف بقدر ما قدم تعبيرًا رمزيًا عن فظائع الحرب ومعاناة المدنيين، وهو ما ساهم في منح «جيرنيكا» مكانتها الاستثنائية في تاريخ الفن الحديث.


3 أسابيع فقط لإنجاز العمل


أنجز بيكاسو «جيرنيكا» خلال نحو ثلاثة أسابيع، واختار لها مجموعة محدودة من الألوان، اعتمدت بصورة أساسية على الأسود والأبيض والرمادي، بما عزز الإحساس بالحزن والصدمة والدمار.


وتضم اللوحة عددًا من الرموز والمشاهد الصادمة، من بينها أم تحمل طفلًا ميتًا، وحصان مصاب، وثور يبدو مذهولًا، إلى جانب شخصيات بشرية أخرى تظهر وسط حالة من الفوضى والألم.


وبلغت أبعاد اللوحة نحو 3.5 متر ارتفاعًا و7.8 متر عرضًا، لتصبح واحدة من أكبر وأشهر الأعمال الفنية التي تناولت أهوال الحرب، كما تحولت مع مرور الوقت إلى رمز عالمي للسلام ومناهضة العنف.


من باريس إلى نيويورك


بعد عرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الدولي، بدأت «جيرنيكا» رحلة جديدة خارج إسبانيا.


وفي عام 1939، أُرسلت اللوحة إلى الولايات المتحدة ضمن جولة هدفت إلى جمع التبرعات لمساعدة اللاجئين الإسبان، قبل أن تتغير الظروف السياسية والعسكرية في أوروبا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.


وطلب بيكاسو في ذلك الوقت إبقاء اللوحة في متحف الفن الحديث بنيويورك على سبيل الإعارة طويلة الأمد، مع التأكيد على عدم إعادتها إلى إسبانيا قبل استعادة الحريات العامة والديمقراطية.


وهكذا أصبحت «جيرنيكا» طوال عقود ليست مجرد لوحة فنية موجودة خارج موطنها، وإنما أيضًا رسالة سياسية وفنية مرتبطة بمستقبل إسبانيا وحرياتها.


وفاة بيكاسو وسقوط نظام فرانكو


توفي بابلو بيكاسو عام 1973، وبعد عامين، في 1975، سقط نظام الجنرال فرانكو، ودخلت إسبانيا مرحلة انتقال سياسي نحو الديمقراطية.


ومع التحولات التي شهدتها البلاد، أصبح الطريق مهيأً أمام عودة «جيرنيكا» إلى إسبانيا، تنفيذًا للشرط الذي ارتبط بموقف بيكاسو من اللوحة وبلاده.


وفي 10 سبتمبر 1981، وصلت اللوحة إلى مدريد وسط إجراءات أمنية مشددة، لتبدأ فصلًا جديدًا من تاريخها داخل إسبانيا.
وكان من المقرر عرضها في ملحق جديد لمتحف برادو بالقرب من البرلمان الإسباني، في دلالة رمزية على عودة العمل إلى بلد استعاد نظامه الديمقراطي.


عرض «جيرنيكا» للجمهور


في 25 أكتوبر 1981، عُرضت «جيرنيكا» أمام الجمهور، بالتزامن مع الذكرى المئوية لميلاد بيكاسو.


ونظرًا للمخاوف الأمنية المحيطة باللوحة، وضعت خلف زجاج مضاد للرصاص، خاصة أن العمل لم يكن مجرد تحفة فنية، بل أصبح رمزًا سياسيًا وإنسانيًا ذا شهرة عالمية.
وكان وجود «جيرنيكا» في مدريد بمثابة إعلان رمزي عن انتهاء مرحلة طويلة من الغياب، وربطًا بين الفن والتحول الديمقراطي الذي شهدته إسبانيا بعد سنوات من الحكم الديكتاتوري.


من متحف برادو إلى «رينا صوفيا»


لم تستقر اللوحة طويلًا في موقعها الأول، إذ نُقلت عام 1992 إلى مركز «رينا صوفيا» للفنون في مدريد، حيث استقرت وأصبحت واحدة من أهم مقتنيات المتحف وأكثرها جذبًا للزوار.


ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسم «جيرنيكا» بالمتحف وأصبحت محورًا رئيسيًا لفهم تجربة بيكاسو وموقفه من الحرب، فضلًا عن كونها واحدة من أبرز الأعمال الفنية الإسبانية في القرن العشرين.


لماذا طالب الباسكيون بنقل «جيرنيكا»؟
رغم استقرار اللوحة في مدريد، لم يتوقف الجدل بشأن مكان عرضها.


فقد اعترضت جماعات إسبانية، من بينها قوميون باسكيون، على وجود «جيرنيكا» في العاصمة، وطالبوا بنقلها إلى متحف غوغنهايم في بلباو، باعتبار أن العمل ارتبط في الأساس بمدينة جيرنيكا الباسكية التي ألهمت بيكاسو لرسم اللوحة.


وبذلك لم تنته رحلة «جيرنيكا» بعودتها إلى إسبانيا، وإنما استمر الجدل حول المكان الأنسب الذي ينبغي أن تستقر فيه اللوحة، بين العاصمة مدريد والموطن الرمزي للقصة التي ولدت منها.


«جيرنيكا».. أكثر من مجرد لوحة


تحولت «جيرنيكا» على مدار عقود إلى عمل يتجاوز حدود الفن التشكيلي، فأصبحت رمزًا لمأساة المدنيين في الحروب، وصورة عالمية للدمار والألم الإنساني.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء