اللقطة أم المحاسبة؟».. واقعة مديري المدارس تضع الوزير والمحافظ في مأزق|خاص
أثارت واقعة استقبال محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني لمدير مدرسة ومديرة أخرى تساؤلات حول آليات التعامل مع مسؤولي المدارس في ظل وجود خلافات واتهامات متبادلة بشأن جاهزية المدارس للعام الدراسي الجديد.
وقال الدكتور محمد كمال، أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة، إن التعامل مع مثل هذه الوقائع يجب أن يوازن بين احترام الأشخاص وضمان تطبيق القواعد المهنية والقانونية، مؤكدًا أن أي اتهامات تتعلق بالتقصير الإداري أو الحصول على أموال بغير حق ينبغي أن تخضع للتحقيق الرسمي، بعيدًا عن الانطباعات أو التناول الإعلامي.








انتقادات لمشهد استقبال مسؤولي المدارس
وانتقد ما وصفه بـ«هدم القيم الوظيفية من أجل اللقطة والشعبية»، مشيرًا إلى أن الواقعة تتعلق بمدير مدرسة ظهر مرتديًا الجلابية في الوقت الذي كانت فيه مدرسته تواجه، بحسب ما ورد في المنشور، مشكلات تتعلق بالاستعداد للعام الدراسي.
وفي المقابل، أشار إلى مديرة مدرسة قالت إنها تحملت تكاليف إصلاح أعمال السباكة والكهرباء من أموالها الخاصة، بينما تردد في المقابل اتهام لها بالحصول على أموال من أحد المقاولين.
وشدد على أن مثل هذه الاتهامات، سواء المتعلقة بتقصير إداري أو بالحصول على أموال بصورة غير قانونية، يجب ألا تحسم عبر الانطباعات أو المواقف الشخصية، وإنما من خلال جهات التحقيق المختصة، بما يضمن معرفة الحقيقة ومحاسبة المخطئ أيًا كان موقعه.
مطالب بالتحقيق في الاتهامات
وطرح المنشور سيناريوهين للتعامل مع الواقعة، مؤكدًا أن الأمر، إذا ثبتت صحة الاتهامات، يستوجب إجراءات قانونية وإدارية، بينما إذا ثبت عدم صحتها فيجب أيضًا رد الاعتبار لمن تعرض للاتهام.
ويأتي ذلك في إطار التأكيد على أهمية الفصل بين التقييم الإداري والمحاسبة القانونية من جهة، والتعامل الإنساني والشخصي من جهة أخرى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسؤولي المدارس واستعداد المؤسسات التعليمية لاستقبال الطلاب.
ويرى أن وجود اتهامات متبادلة، سواء بشأن جاهزية المدرسة أو مصادر تمويل أعمال الصيانة، يستدعي فتح تحقيق رسمي يحدد المسؤوليات، بدلًا من الاكتفاء بالمواقف الإعلامية أو مشاهد الاستقبال التي قد تُفسر بأكثر من طريقة.
التبرعات المدرسية.. ملف متجدد
وفتح كمال أيضًا ملفًا أكثر اتساعًا يتعلق بتمويل أعمال الصيانة داخل المدارس، متحدثًا عن لجوء بعض الإدارات المدرسية إلى جمع تبرعات من أولياء الأمور لتوفير احتياجات أساسية، سواء بصورة مالية أو عينية.
وأشار إلى أن بعض المدارس قد تواجه احتياجات تتعلق بالعمالة أو أعمال الصيانة، ما يدفع إداراتها إلى البحث عن موارد خارج المخصصات المتاحة لها.
وأضاف أن هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى التمييز بين التبرعات الطوعية المشروعة وبين أي مبالغ يتم تحصيلها بصورة إجبارية أو دون سند قانوني، إذ إن الفارق بين الحالتين جوهري، ولا يجوز إطلاق اتهامات عامة دون أدلة أو تحقيقات رسمية.
كما أن الحديث عن بيع أجهزة أو الاستفادة غير المشروعة من التبرعات يمثل اتهامات خطيرة لا يمكن اعتبارها حقائق إلا إذا أثبتتها جهات التحقيق المختصة.
بين المحافظ ووزير التعليم
وبحسب ما ورد في المنشور، كان محافظ الإقليم قد اتخذ موقفًا تجاه المسؤولين محل الواقعة، قبل أن يجتمع بهما وزير التربية والتعليم لاحقًا.
وانتقد طريقة استقبال الوزير لهما، معتبرًا أن المشهد قد يعطي انطباعًا بأن المسؤول الذي يخضع للمساءلة الإدارية يمكن أن يحصل على دعم أو تكريم قبل انتهاء التحقيق في الوقائع المنسوبة إليه.
في المقابل، فإن مجرد استقبال الوزير لمسؤولي المدارس أو الحديث معهم لا يعني بالضرورة إسقاط أي إجراءات إدارية أو قانونية بحقهم، ما لم يصدر قرار رسمي بذلك.
وهنا تبرز أهمية توضيح الوزارة ملابسات الواقعة للرأي العام، وما إذا كان اللقاء جاء في إطار الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، أم ترتب عليه اتخاذ قرارات بشأن الإجراءات التي سبق أن اتخذها المحافظ.
الانتقاد لا يعني رفض كل قرارات الوزير
وأكد أنه سبق أن دعم وزير التربية والتعليم وأيد عددًا من قراراته، لكنه يرى أن دعم المسؤول لا يعني التوقف عن انتقاده عندما يرى أن هناك قرارًا أو تصرفًا يحتاج إلى مراجعة.
واعتبر أن النقد يجب أن يكون قائمًا على ما يراه حقًا، بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو محاولة إرضاء الرأي العام، مؤكدًا أن المسؤولية المهنية تقتضي التعبير عن الرأي حتى في الحالات التي قد لا يلقى فيها قبولًا لدى الجميع.
أزمة أكبر من واقعة واحدة
وتتجاوز القضية، في جوهرها، مشهد استقبال مسؤولين بعينهما، لتطرح سؤالًا أوسع حول كيفية إدارة المدارس الحكومية ومواجهة احتياجاتها قبل بداية العام الدراسي.
فالمدير يقع في مواجهة مباشرة مع مشكلات البنية الأساسية، والصيانة، والعمالة، وتجهيز الفصول، في الوقت الذي يُطلب منه الالتزام بالتعليمات واللوائح وعدم تحميل أولياء الأمور أعباء غير مقررة.
وفي المقابل، فإن حماية المال العام ومكافحة أي صور للتربح أو الحصول على أموال بغير حق تتطلب رقابة واضحة وآليات تحقيق سريعة، حتى لا يتحول نقص الموارد إلى مبرر لممارسات مخالفة، وحتى لا يتحول أيضًا المدير الذي يحاول حل مشكلة داخل مدرسته من ماله الخاص إلى طرف متهم دون دليل.
المطلوب.. تحقيق شفاف وحسم رسمي
ويري أن الكلمة الفصل في هذه الواقعة للجهات الرسمية المختصة، من خلال الكشف عن حقيقة ما حدث، وملابسات الإجراءات التي اتخذت بحق مسؤولي المدرستين، وما إذا كانت هناك مخالفات بالفعل أو أن الأمر يتعلق باختلاف في وجهات النظر حول إدارة المدرسة واحتياجاتها.
كما أن حسم الوقائع بصورة رسمية من شأنه إنهاء حالة الجدل التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ووضع حد للتفسيرات المتباينة التي قد تحول واقعة إدارية إلى قضية رأي عام.
وفي النهاية، فإن هيبة الوظيفة التعليمية لا تتحقق بالعقاب وحده ولا بالمجاملة وحدها، وإنما بتطبيق القواعد على الجميع، ومحاسبة المخطئ إذا ثبت خطؤه، وإنصاف من تثبت براءته، مع توفير الدعم اللازم لمديري المدارس حتى يتمكنوا من أداء مسؤولياتهم دون اللجوء إلى حلول فردية أو الدخول في مناطق رمادية.















