زكي نجيب محمود.. 33 عامًا على رحيل «فيلسوف التنوير»
تحل اليوم ذكرى رحيل المفكر والفيلسوف زكي نجيب محمود، الذي غاب عن عالمنا في 8 سبتمبر 1993، تاركًا مشروعًا فكريًا امتد بين الفلسفة والأدب والصحافة، وانشغل بقضايا الأصالة والمعاصرة، والعلاقة بين التراث والحداثة، ودور العقل في بناء المجتمع ومواكبة العصر.
مشروع التجديد
بدأ زكي نجيب محمود مشروعه الفكري بصورة أكثر وضوحًا مع كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر عام 1971، والذي طرح من خلاله رؤيته لإعادة قراءة التراث، داعيًا إلى الاستفادة من الأفكار التي يمكن تطبيقها في الواقع، بدلًا من التعامل مع الماضي باعتباره مجموعة من الأفكار الجامدة.
ثم انتقل عام 1975 إلى مرحلة تطبيقية من مشروعه من خلال كتاب «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري»، الذي تناول فيه نصوص التراث وفلسفاته، وطرح فكرة التمييز بين ما يمكن الاستفادة منه في بناء الحاضر، وما يرتبط بأفكار لم تعد صالحة لمتطلبات العصر.
الأصالة والمعاصرة
انشغل زكي نجيب محمود مبكرًا بسؤال العلاقة بين الثقافة العربية والفكر الغربي، ولم يرَ أن الحل يكمن في النقل الكامل عن الغرب أو الانغلاق على التراث، وإنما في البحث عن صيغة تجمع بين الاستفادة من منجزات الفكر الحديث والحفاظ على العناصر العقلانية والمضيئة في التراث العربي.
وتبلورت هذه الرؤية في عدد من مؤلفاته، من بينها «ثقافتنا في مواجهة العصر» و«عربي بين ثقافتين»، إلى جانب ثلاثيته «قصة نفس» و«قصة عقل» و«حصاد السنين»، التي عكست جوانب مختلفة من تجربته الفكرية والشخصية.
البدايات الأولى
وُلد زكي نجيب محمود في الأول من فبراير عام 1905 بقرية ميت الخولي بمحافظة دمياط، وقضى سنواته الأولى بها، قبل أن تنتقل أسرته إلى القاهرة ثم إلى الخرطوم، حيث التحق بكلية «جوردون»، وتلقى تعليمًا غلبت عليه اللغة الإنجليزية إلى جانب دراسة اللغة العربية.
وعاد إلى القاهرة قبل إتمام المرحلة الثانوية، والتحق بمدرسة المعلمين العليا، في فترة شهدت حركة ثقافية وفكرية نشطة، وتأثر بالمناخ الذي صنعه عدد من كبار الأدباء والمفكرين في ذلك الوقت، قبل أن يبدأ نشر مقالاته في عدد من الصحف والمجلات.
عالم الصحافة
اختار زكي نجيب محمود الصحافة إلى جانب دراسته وعمله الأكاديمي، ونشر كتاباته في صحف ومجلات من بينها «السياسة الأسبوعية» و«البلاغ الأسبوعي» و«المقتطف» و«الهلال».
ومع تأسيس سلامة موسى «المجلة الجديدة» عام 1929، شارك زكي نجيب محمود في الكتابة بها، وقدم عام 1931 مقالًا عن «وحدة الكون»، في مرحلة مبكرة من اهتمامه بالفكر العلمي والمناهج التجريبية.
الفلسفة للجمهور
واجه زكي نجيب محمود بعض الصعوبات في بدايات مسيرته الأكاديمية، إلا أن ذلك دفعه بصورة أكبر نحو الصحافة والكتابة الثقافية، حيث التفتت إليه مجلة «الرسالة» التي أسسها أحمد حسن الزيات، وبدأ من خلالها في تقديم موضوعات فلسفية للقارئ العام، متناولًا أفكار عدد من الفلاسفة، إلى جانب موضوعات أدبية وتاريخية.
وكان مقاله «هجرة الروح» الذي نشره عام 1942 محطة مهمة في مسيرته الفكرية، ووصفه لاحقًا بأنه كان بمثابة مفترق طرق في تطوره الفكري.
الدكتوراه في لندن
ارتبط زكي نجيب محمود بالمفكر أحمد أمين، وانضم إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر، كما شارك في الكتابة بمجلة «الثقافة»، وقدم أعمالًا في تاريخ الفلسفة، من بينها «قصة الفلسفة اليونانية» و«قصة الفلسفة الحديثة».
وفي عام 1944 أوفدته وزارة المعارف في بعثة دراسية إلى إنجلترا، وحصل عام 1947 على درجة الدكتوراه من جامعة لندن، لتشكل سنوات الدراسة هناك مرحلة مؤثرة في تكوينه الفلسفي.
مسيرة أكاديمية
بعد عودته إلى مصر، انضم زكي نجيب محمود إلى هيئة التدريس بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، بالتزامن مع مرحلة سياسية وفكرية شهدت تحولات كبرى في مصر، كما عمل بوزارة الإرشاد القومي «الثقافة» عام 1953، وسافر إلى الولايات المتحدة أستاذًا زائرًا، فدرّس في جامعة كولومبيا بولاية ساوث كارولينا ثم جامعة واشنطن، قبل أن يعمل مستشارًا ثقافيًا بالسفارة المصرية في واشنطن خلال عامي 1954 و1955.
قلم الأهرام
عاد إلى مصر عام 1955، وتولى رئاسة تحرير مجلة «الفكر المعاصر»، التي أصبحت خلال فترة إدارته مساحة لعدد من كبار رجال الفكر، وواصل تقديم مقاله «تيارات فلسفية».
وبعد تجربة التدريس في جامعة الكويت، عاد إلى مصر، وانضم عام 1973 إلى الأسرة الأدبية لجريدة «الأهرام»، وقدم مقاله الأسبوعي الذي كان ينشر كل ثلاثاء، واستمر من خلاله في طرح القضايا الفكرية والثقافية المرتبطة بالإنسان والمجتمع والهوية والعلاقة بين التراث والعصر.
وبعد رحيله في 8 سبتمبر 1993، ظل مشروع زكي نجيب محمود حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالتنوير والتجديد الفكري، خاصة مع استمرار الأسئلة التي شغلت كتاباته حول كيفية الاستفادة من التراث والانفتاح على الفكر الحديث دون فقدان الخصوصية الثقافية.





