رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حضارتان ولغة واحدة.. كيف صنعت الثقافة جسرًا بين مصر والصين؟

العلاقات الثقافية
العلاقات الثقافية بين القاهرة

تزامنًا مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، تبرز العلاقات الثقافية بين القاهرة وبكين باعتبارها أحد المسارات المهمة في الشراكة بين البلدين، مستندة إلى رصيد حضاري مشترك بين مصر والصين، بوصفهما من أعرق الحضارات الإنسانية، وشهدت خلال السنوات الماضية توسعًا من تبادل الفعاليات والأنشطة الفنية والثقافية إلى التعاون في مجالات أكثر تخصصًا، من بينها الصناعات الإبداعية وصون التراث والسينما وفنون الإعلام والسياحة الثقافية ونقل الخبرات.

وتؤكد زيارة الرئيس الصيني إلى مصر عمق العلاقات بين البلدين على مختلف المستويات، كما تلقي الضوء على مسار التعاون الثقافي الذي شهد محطات متعددة خلال السنوات الماضية، بدأت ببرامج التبادل الثقافي والفني، ثم تطورت إلى شراكات مؤسسية ومشروعات تستهدف تعزيز الحوار الحضاري والاستفادة من الخبرات المتبادلة.

العام الثقافي المصري الصيني

ويمثل العام الثقافي المصري الصيني 2016 إحدى أبرز المحطات في تاريخ التعاون الثقافي بين البلدين، حيث شهد خلال الأشهر الأولى منه برنامجًا مكثفًا من الأنشطة والفعاليات المتبادلة، أتاح للجمهور في البلدين التعرف على جوانب من الفنون والثقافة والإبداع لدى الطرف الآخر.

واستضافت مصر خلال تلك الفترة 18 نشاطًا فنيًا وثقافيًا أقامتها الصين، مقابل 10 أنشطة قدمتها وزارة الثقافة المصرية، بعيدًا عن الفعاليات التي نظمتها وزارات السياحة والشباب والآثار، إلى جانب احتفالية كبرى بمدينة الأقصر حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينج.

وشملت الفعاليات مهرجانًا للأفلام الصينية في القاهرة والإسماعيلية، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الأفلام بين وزارة الثقافة المصرية والمصلحة العامة للصحافة والنشر والإذاعة والتليفزيون الصينية، فضلًا عن إصدار عدد خاص من مجلة «بريزم» عن العام الثقافي المصري الصيني.

كما شاركت الصين بجناح كبير في معرض القاهرة الدولي للكتاب، واستقبلت وزارة الثقافة وفدًا صينيًا للتعاون في مجال الأكروبات والصناعات الحرفية، بمشاركة ممثلي السيرك المصري، إلى جانب مشاركة فرقة طبول صينية في مهرجان طبول السلام بالقلعة، وإقامة معرض للفنانات الصينيات بمتحف كرمة ابن هانئ.

الصناعات الإبداعية

وفي سبتمبر 2023، اتجه التعاون الثقافي المصري الصيني إلى مجالات أكثر تخصصًا، خلال لقاء وزيرة الثقافة المصرية آنذاك الدكتورة نيفين الكيلاني مع نظيرها الصيني، حيث تناولت المباحثات عددًا من ملفات التعاون المشترك، من بينها الصناعات الإبداعية وصون التراث ونقل الخبرات، إلى جانب إقامة الأنشطة الثقافية والفنية المتبادلة.

وعكس هذا المسار تطور مفهوم التعاون بين البلدين، فلم يعد مقتصرًا على إقامة الفعاليات والمعارض والعروض، وإنما امتد إلى تبادل التجارب والخبرات في مجالات ترتبط بالاقتصاد الإبداعي والصناعات الثقافية، في ظل التطور الذي تشهده هذه المجالات عالميًا واعتمادها بصورة متزايدة على التكنولوجيا وأساليب الإنتاج والوصول إلى الجمهور.

شراكات مؤسسية بين القاهرة وبكين

وتواصل هذا التوجه في مايو 2026، مع توقيع المجلس الأعلى للثقافة بروتوكول تعاون مشترك مع المركز الصيني العربي لدراسات التعاون الثقافي والسياحي، بهدف تعزيز التعاون الثقافي والسياحي بين الجانبين ودعم مجالات الإبداع والتبادل الحضاري.

ويمثل البروتوكول خطوة نحو إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات الثقافية، بحيث لا تظل محصورة في المناسبات والفعاليات، وإنما تمتد إلى أطر تعاون يمكن البناء عليها في مجالات الثقافة والسياحة والدراسات والتبادل الحضاري.

كما يفتح الجمع بين الثقافة والسياحة مجالًا للاستفادة من المقومات الحضارية التي يمتلكها البلدان، وتوظيف التراث والموروث الثقافي في تعزيز التواصل بين الشعبين ودعم حركة التبادل الثقافي والسياحي.

السينما

وبرزت السينما وفنون الإعلام خلال السنوات الأخيرة باعتبارها أحد المجالات المهمة في التعاون المصري الصيني، حيث انضمت مصر، ممثلة في أكاديمية الفنون، في ديسمبر 2025، كعضو مؤسس إلى التحالف الدولي لتعليم السينما وفنون الإعلام، الذي ترعاه وزارة الثقافة الصينية بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

ويمثل انضمام مصر إلى التحالف خطوة تتجاوز نطاق تبادل الأفلام والمشاركة في المهرجانات، لتفتح مجالًا أوسع أمام التعاون في تعليم السينما وفنون الإعلام وتبادل المعرفة والخبرات بين المؤسسات المتخصصة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل المكانة التاريخية التي تتمتع بها مصر في صناعة السينما والفنون، بما يتيح فرصًا للتواصل مع المؤسسات التعليمية والفنية الصينية وتبادل الخبرات المتعلقة بالتدريب والتعليم والإنتاج السينمائي.

الباندا الذهبية

وفي سبتمبر 2025، شاركت مصر في ملتقى «جائزة الباندا الذهبية» في الصين، بحضور وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور أحمد فؤاد هنو كضيف شرف، في خطوة عكست اتساع نطاق المشاركة المصرية في الفعاليات الثقافية والفنية الكبرى التي تستضيفها الصين.

وتعد «جائزة الباندا الذهبية» منصة تجمع صناع المحتوى والفنون البصرية، بما يتيح فرصًا للتعارف وتبادل الخبرات في مجالات السينما والتليفزيون وفنون الإعلام، ويفتح مساحات جديدة للتعاون بين التجربتين المصرية والصينية.

وفي يونيو 2026، تناولت مباحثات وزيرة الثقافة السابقة الدكتورة جيهان زكي مع السفير الصيني لدى مصر لياو ليتشيانج سبل تعزيز التعاون الثقافي المشترك وتعميق حوار الحضارات بين البلدين.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء أن الصين تأتي على رأس الدول التي تحرص مصر على تعزيز التعاون الثقافي معها، فيما أشار السفير الصيني إلى وصول العلاقات بين القاهرة وبكين إلى مرحلة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».

وتطرقت المباحثات إلى عدد من المشروعات والأنشطة الفنية والثقافية، بما يعكس توجه الجانبين نحو تحويل التقارب الحضاري والثقافي إلى برامج ومشروعات عملية، تستفيد من الخبرات المتراكمة لدى المؤسسات الثقافية في البلدين.

الموسيقى والأوبرا

وامتد التعاون المصري الصيني إلى الموسيقى والأوبرا، من خلال الاحتفالية المشتركة التي استضافتها دار الأوبرا المصرية، بمشاركة أوركسترا سوتشو السيمفوني الصينية، وبقيادة مشتركة للمايسترو المصري أحمد الصعيدي والمايسترو الصيني تشن شيانغ.

وجاءت الاحتفالية بالتزامن مع اليوم العالمي لحوار الحضارات، لتقدم نموذجًا للتعاون الفني المباشر بين البلدين، وتوظيف الموسيقى باعتبارها لغة قادرة على تجاوز الحدود والتقريب بين الثقافات.

وتكشف المحطات المتتالية في العلاقات الثقافية المصرية الصينية عن مسار بدأ بالتبادل الثقافي والفني، خصوصًا خلال العام الثقافي المصري الصيني، ثم اتجه إلى التعاون في الصناعات الإبداعية وصون التراث ونقل الخبرات، وصولًا إلى الشراكات المؤسسية في الثقافة والسياحة والتعليم السينمائي وفنون الإعلام، إلى جانب السينما والموسيقى والمسرح وغيرها من مجالات الإبداع.

ومع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، تستعيد هذه المسارات حضورها في المشهد العام للعلاقات بين البلدين، في ظل رغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون والاستفادة من الإمكانات الحضارية والإبداعية التي يمتلكها الجانبان.

ولا تقتصر أهمية هذا التعاون على تبادل الفنون والفعاليات، وإنما تمتد إلى الحوار بين حضارتين تمتلك كل منهما تاريخًا طويلًا وتجربة ثقافية ثرية، مع سعي مشترك إلى تقديم هذا الإرث بصورة معاصرة تجمع بين التراث والإبداع والتكنولوجيا، وتفتح مجالات جديدة للتواصل بين الشعبين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء