رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 خطة ترامب: تهدئة مؤقتة أم تفجير للائتلاف اليميني في إسرائيل؟

سموتريتش وبن غفير
سموتريتش وبن غفير

مازالت ردود الأفعال الدولية والإقليمية تتوالى على خطة الرئيس ترامب بشأن إنهاء الحرب الجارية حاليا في قطاع غزة، وتأتي أغلبها مؤيدة لها على اعتبار أنها ستعمل على إيقاف آلة القتل والتدمير التي طالت المدنيين في القطاع على مدار عاميين.

ومن المؤكد أن دخول الخطة حيز التنفيذ سيكون لها تبعات وتأثيرات مختلفة ليس فقط على قطاع غزة وسكانه وكلن أيضا على إسرائيل ونظامها السياسي الذي يتميز منذ نشأته في عام 1948 بعدم الاستقرار السياسي وتخبط الحكومات المتتالية.

الرئيس الأمريكي مع رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي
الرئيس الأمريكي مع رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلي

يتسم النظام السياسي الإسرائيلي منذ نشأته بعدم الاستقرار لعدة عوامل تاريخية أبرزها طبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي للقوائم في دولة مقسمة كلية إلى قائمة واحدة وطريقة تشكيل الكنيست ما بين أحزاب علمانية وليبرالية وأخرى دينية يمينية وأيضا أحزاب ممثلة لفئات أخرى مثل اليهود الروس، وهو الذي يدفع دوما إلى تشكيل حكومات ائتلافية من عدة أحزاب  سياسية الأمر الذي يعرض سياسات تلك الحكومة إلى التنازع بين مكوناتها ومن ثم يكون حل الحكومة واللجوء إلى انتخابات مبكرة.

جديرًا بالذكر أن الحرب الأخيرة أعطت للحكومة الحالية (الحكومة السابعة والثلاثون) شيئًا من التماسك النسبي فهي باقية حتى الآن منذ تشكيلها في ديسمبر 2022 وتعديلها المبسط في أكتوبر 2023 تحت مسمى "مجلس الوزراء الحربي" فطوال فترة الحرب أظهرت الحكومة بعض التماسك بين مكوناتها حفاظا على استقرار الحكومة والنظام وقت الحرب وهو على عكس الفترة السابقة لتشكيلها وتحديدًا من عامي2019 وحتى 2022 وهي الفترة التي فشلت فيها تل أبيب في تشكيل الحكومة أكثر من مرة.

يمكن اعتبار  الحرب الجارية بكل مراحلها من قصف قطاع غزة والمواجهات مع حزب الله في جنوب لبنان وأيضا المواجهة الفعلية مع إيران في حرب الإثنى عشر يومًا كانت سببًا رئيسًا في جعل  الحكومة الحالية تبدو متماسكة نسبيًا، وهنا يبرز تساؤل هام وهو ما مستقبل الحكومة والنظام الحالي في حال وقف اطلاق النار،  وانتهاء الحرب بالشروط الأمريكية التي توفر لتل أبيب مساحة من الهدوء الأمني التي لم تنعم بها منذ تأسيسها في عام 1948 فلأول مرة سيتم العمل على إخراج فصائل المقاومة من الداخل الفلسطيني وهو يعنى حرفيا انتهاء عمليا المقاومة المسلحة الخشنة للاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

التساؤل السابق بدوره يطرح تساؤلات عدة حول شكل وهوية الدولة والنظام السياسي في الفترة المقبلة، خاصة أننا في ظل حكومة تعد الأكثر يميينية وتطرفا في التاريخ الإسرائيلي، إذ تم تشكيلها من ستة أحزاب يمينية ودينية بقيادة الليكود وشاس، ويهودية التوراة والحزب الصهيوني وعوتسيما يهوديت ونعوم وأمل جديد، وتم اضافة إليها بعض عناصر المعارضة في أكتوبر 2023 بقيادة وزير الدفاع السابق يوآف غالانت ورئيس هيئة الأركان العامة السابق بيني غانتس تحت مسمى مجلس الحرب الإسرائيلي.

نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير
نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير

مستقبل الائتلاف اليميني

ساهم استحواذ العناصر اليمينية الدينية المتطرفة على الحكومة الحالية والسابقة في تأطير مفهوم يهودية الدولة في إسرائيل بشكل كبير، إذ تراجعت على مدار السنوات الماضية أهمية الأحزاب الليبرالية والعلمانية في الداخل الإسرائيلي مثل حزب العمل الذي تحول لحزب معارض ضعيف بعد أن كان الحزب الحاكم لعقود طويلة من الزمن، وهو ما يثير العديد من المخاوف الليبرالية في الداخل الإسرائيلي أبرزها:

•التخوف من شمولية الدولة: 

أثارت افتتاحيات صحيفة هاآرتس الإسرائيلية على مدار الأسابيع القليلة الماضية تخوفات الليبراليون من أن يتحول النظام السياسي إلى نظام شمولي على غرار النظام الإيراني.

•اضعاف المعارضة الإسرائيلية:

 كشفت الحرب الجارية حالة الضعف التي تنتاب المعارضة الإسرائيلية حاليا إذ تنقسم المعارضة حاليا إلي ثلاث فئات أولهما مجموعة الليبراليين من الأكاديميين وهو يرون أن الحرب الحالية تؤثر على المصالح الوطنية الإسرائيلية، أما الفئة الثانية وهي الأقوى حاليًا وهم أهالي الرهائن ويرون أن نتنياهو يضحي بحياة أبنائهم، أما المجموعة الأخيرة فهم أعضاء المنظمات الحقوقية وبعض الأطباء.

ونعود للتساؤل السابق حول تأثير خطة ترامب على مستقبل النظام السياسي نجد أن الحرب ساهمت بشكل كبير في تقليل التوتر والتذبذب بين هويتي علمانية الدولة ويهوديتها لصالح الأخيرة، إلا أنه بعد انتهاء الحرب ستجد الحكومة نفسها في حالة ضغط سياسي من جديد ما بين الهويتين الأمر الذي قد يقوضها. 

حاول "نتنياهو" الولوج بالنظام السياسي الإسرائيلي إلى منطقة تكون فيها كلمة الحكومة أعلى وأكبر من سلطة الكنيست والقضاء باتخاذ العديد من التدابير مثل السيطرة على وسائل الإعلام والتحالف مع الكيانات والأحزاب الدينية، وتقويض السلطة القضائية بالحد من قدراتها من خلال ما يسمى بالإصلاحات القضائية خاصة المتعلقة بالمحكمة العليا، ففي يناير 2023 وقبل عملية طوفان الأقصى بشهور برزت مجموعة قوانين للحد من سلطات القضاء مما دعا إلي حركات احتجاجية كبرى بلغت ذروتها في مارس 2023 مما أدي إلي توقف سياسات "نتنياهو" وقتها.

سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب

وإن وضعت الحرب أوزارها فمن المؤكد أن "الائتلاف اليميني" الديني الحاكم خلال الفترة المقبلة سيعمل على العديد من الأمور المرسخة لوجوده شعبويًا في الداخل الإسرائيلي متفاديًا مسألة انتهاء الحرب وانتهاء الحاجة إلي حكومة دينية يمينية، وقد يتم ذلك من طريق العديد من النقاط أبرزها:

•زيادة حدة الاستيطان: 

من جملة الأسباب التي دعت الاحزاب الدينية للتوافق مع نتنياهو في ديسمبر 2022 هي اعطاء دفعة كبرى لعملية الاستيطان لذا من المحتمل أن تلجأ اسرائيل خلال الفترة المقبلة لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية (السامرة) وعودة الاستيطان إلي قطاع غزة (غوش قطيف).

•يهودية القدس: 

من دواعي عملية طوفان الأقصى التي ساقتها حركة حماس هي محاولات الحكومة الاسرائيلية لطمس هوية القدس التاريخية وتحويلها إلي مدينة يهودية خالصة تماما لذا من المؤكد أن تمضي تل أبيب قدما في تلك السياسات مرة أخري بإعادة إكمال بناء "هيكل سليمان"، واعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.

•انتهاج سياسات عدائية للأغيار: 

من المؤكد أن اسرائيل ستحافظ على سياسة شبه عدائية مع كل دول الجوار مثل مصر وتركيا وإيران وتوجيه استفزازات مستمرة إلي تلك الدول وذلك من أجل تأكيد هوية الدولة الدينية المعادية لدول الجوار واستمرارا لحالة التأهب الديني.

خاتمة:

خطة ترامب قد تبدو للوهلة الأولى مدخلًا لإنهاء الحرب، لكنها داخليًا تضع الائتلاف اليميني في إسرائيل أمام اختبار صعب: فإما أن يواصل الإمساك بالسلطة عبر تعزيز سياسات الاستيطان والدولة الدينية، أو أن تتجدد الانقسامات التي قد تعصف بالحكومة وتفتح الباب مجددًا أمام دوامة الانتخابات المبكرة وعدم الاستقرار السياسي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء