رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المولد النبوي في الذاكرة المصرية.. من سيرة الحبيب إلى ليالي المديح والإنشاد

المولد النبوي في
المولد النبوي في الذاكرة المصرية

كل عام، ومع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، تستعيد الذاكرة المصرية واحدة من المناسبات الدينية الأكثر حضورًا في وجدان المصريين، فتتجدد مظاهر الاحتفال التي ارتبطت بها على مدار سنوات طويلة، بداية من الحديث عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مرورًا بالمدائح والابتهالات والإنشاد الديني، وصولًا إلى العادات الشعبية التي أصبحت جزءًا من أجواء المولد، وفي مقدمتها حلوى المولد والتجمعات العائلية.

ولا يقتصر حضور المولد النبوي في مصر على الجانب الديني فقط، وإنما امتد عبر السنوات إلى الفنون والتراث والعادات الاجتماعية، فأصبحت المناسبة مساحة تستعيد خلالها الأسر ذكريات ارتبطت بالمولد، بينما تستقبل المساجد والساحات ومراكز الإبداع أمسيات للمديح والإنشاد، وتتحول بعض المواقع التاريخية في القاهرة إلى مساحات تستضيف هذه الفنون وتقدمها للجمهور.

ليلة الميلاد.. بداية الحكاية

ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة في عام الفيل، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وارتبطت ذكرى ميلاده بعدد من الروايات والأخبار التي تناولت الأحداث التي صاحبت تلك الليلة، ومن بينها ما نُقل عن والدته آمنة بنت وهب من رؤيتها نورًا عند ولادته صلى الله عليه وسلم.

كما ارتبطت ليلة مولده في بعض الروايات بأحداث أخرى، من بينها ارتجاج إيوان كسرى وسقوط عدد من شرفاته، وخمود النار التي كانت تُعبد في فارس، وغور مياه بحيرة ساوة، وهي أخبار وردت في عدد من المصادر التراثية، وظلت حاضرة في الذاكرة عند الحديث عن مولد النبي صلى الله عليه وسلم.

سيرة الحبيب

تمتد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مولده ونشأته في مكة إلى مرحلة البعثة والهجرة إلى المدينة، وقد ارتبطت حياته منذ طفولته بالعديد من المحطات التي شكلت جانبًا مهمًا من سيرته، فقد توفي والده قبل مولده، ثم فقد والدته في طفولته، فتولى جده عبد المطلب رعايته، ثم عمه أبو طالب.

ومع بلوغه شبابه، عُرف النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه بالصادق الأمين، وعمل في التجارة، ثم تزوج السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، قبل أن تبدأ مرحلة الوحي والرسالة بنزول القرآن الكريم عليه في غار حراء، لتبدأ بعد ذلك دعوته إلى التوحيد، وتستمر رسالته في مكة ثم المدينة، حاملة قيم الرحمة والعدل والأمانة والتكافل وحسن الخلق.

صفات الحبيب

حظيت صفات النبي صلى الله عليه وسلم بمكانة كبيرة في التراث الإسلامي، حيث نقل أصحابه العديد من أوصافه وهيئته وأخلاقه، وتحدثت الروايات عن جمال وجهه واعتدال قامته وخاتم النبوة بين كتفيه، إلى جانب مواقفه في التعامل مع أصحابه وأهل بيته ومن حوله.

ومع انتقال هذه الصفات من جيل إلى آخر، أصبحت جزءًا أساسيًا من المدائح والقصائد التي تناولت النبي صلى الله عليه وسلم، فتحولت سيرته ومناقبه إلى مادة حاضرة في الشعر والإنشاد، وظلت هذه الأعمال تتردد في المناسبات الدينية ومجالس الذكر والاحتفال بالمولد النبوي.

ليالي المديح والإنشاد

ارتبط المديح النبوي في مصر بالمناسبات الدينية ومجالس الذكر، وأصبح الإنشاد واحدًا من أبرز الفنون التي تستعيد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته ومناقبه، من خلال القصائد والابتهالات التي يقدمها المنشدون أمام الجمهور في أجواء يغلب عليها الطابع الروحي.

وتوارث المنشدون هذا اللون الفني عبر أجيال متعاقبة، فحافظوا على القصائد والمدائح القديمة، إلى جانب تقديم أعمال جديدة بأساليب موسيقية مختلفة، لتظل حالة الإنشاد حاضرة في الاحتفالات الدينية، ولا سيما خلال موسم المولد النبوي.

المولد في الذاكرة الشعبية

ارتبطت ذكرى المولد النبوي كذلك بمجموعة من العادات الشعبية التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المصريين، وفي مقدمتها التجمعات العائلية وتبادل الزيارات والهدايا، إلى جانب انتشار حلوى المولد في الأسواق والبيوت خلال هذه الفترة من العام.

وتتنوع حلوى المولد بين أصناف عديدة، من الفولية والحمصية والسمسمية إلى أصناف المكسرات وغيرها، وأصبحت عملية شرائها وتبادلها بين الأسر والأقارب والأصدقاء واحدة من العادات التي تتجدد مع حلول ذكرى المولد كل عام.

قبة الغوري.. المديح في قلب القاهرة

وتحتفظ القاهرة التاريخية بمواقع ارتبطت باستضافة الفنون التراثية والإنشاد الديني، ومن بينها قبة الغوري، التي استضاف مركز الإبداع بها عددًا من الأمسيات والاحتفالات المرتبطة بالمولد النبوي خلال أغسطس 2026، من بينها أمسية إنشادية للمنشد أحمد العمري، تضمنت عددًا من الابتهالات والمدائح النبوية.

كما استضاف المركز في 16 أغسطس حفلًا لفرقة «مجلس الصلاة على النبي»، بقيادة المنشد الشيخ حسين البيومي، وقدمت الفرقة قصائد المديح والابتهالات الدينية والتراث الصوفي، بمصاحبة الدفوف، ضمن فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي.

بيت السناري

وشهد بيت السناري، التابع لمكتبة الإسكندرية، خلال سنوات سابقة فعاليات مرتبطة بالمولد النبوي، تضمنت مشاركة فرق للإنشاد الديني ومواهب فنية شابة، إلى جانب عروض فنية وتراثية، بما يعكس حضور المناسبة داخل البيوت التاريخية التي تحولت إلى مراكز تستضيف الفعاليات الثقافية والفنية.

وتمنح هذه الفعاليات الفنون التراثية مساحة للوصول إلى جمهور جديد، خاصة الإنشاد الديني والمديح، كما تتيح تقديم هذه الفنون داخل أماكن تاريخية تحمل خصوصية معمارية وثقافية، لتجتمع المناسبة الدينية مع التراث الفني والتاريخي للمكان.

ومع اختلاف أشكال الاحتفال بالمولد النبوي من جيل إلى آخر، ظلت السيرة والإنشاد والمديح والعادات الشعبية عناصر أساسية في الذاكرة المصرية المرتبطة بهذه المناسبة، فتتجدد كل عام مظاهر الاحتفال، بينما تحتفظ الأسر بعاداتها وتنتقل بعض مظاهرها من الآباء والأجداد إلى الأبناء.

ومن السيرة إلى المديح، ومن الابتهالات إلى حلوى المولد، وصولًا إلى الأمسيات التي تستضيفها المواقع التاريخية ومراكز الإبداع، يظل المولد النبوي حاضرًا في المشهد الثقافي والاجتماعي المصري، محتفظًا بمظاهر احتفال تراكمت عبر سنوات طويلة وأصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء