«بورتريه لأبي العلا البشري».. رواية تبحث عن المخلّص وسط جنون العالم
في روايته الجديدة «بورتريه لأبي العلا البشري»، الصادرة عن دار الرواق للنشر والتوزيع، يأخذنا الروائي باهر بدوي إلى عالم تتشابك فيه السياسة مع المرض النفسي، وتتداخل فيه التجربة الشخصية مع القضايا العامة، بينما يتقاطع الواقع مع الهواجس والأوهام.
وتتخذ الرواية من مصحة نفسية فضاءً رئيسيًا للأحداث، لكنها لا تتوقف عند حدود المكان، بل تنطلق منه لطرح تساؤلات أوسع حول مفهوم الجنون، ومن يمتلك سلطة تحديد الحقيقة، وما إذا كانت الاضطرابات التي يعيشها الأفراد انعكاسًا لاضطراب العالم المحيط بهم.
ويحضر أبو العلا البشري في عنوان الرواية بوصفه رمزًا لشخصية «المخلّص» الذي يبحث عنه الوجدان العربي، بينما تتحول المصحة إلى مرآة مكبرة لعالم خارجي يبدو، في كثير من الأحيان، أكثر اضطرابًا من نزلائها. وفي خلفية الأحداث، تتقاطع مصائر الشخصيات مع حرب العراق والسياسة الأمريكية، بما يربط المأساة الفردية بالخراب السياسي والإنساني الأوسع.
وفي هذا الحوار، يتحدث باهر بدوي عن دلالة عنوان الرواية، وأسباب اختياره المصحة النفسية مسرحًا للأحداث، وحدود الفاصل بين الجنون والعقل، وطريقة بناء الشخصيات بعيدًا عن التشخيص الطبي، إلى جانب حضور الحرب والسياسة في العمل.
عنوان «بورتريه لأبي العلا البشري» يضع شخصية أبي العلا في الواجهة.. لماذا اخترت «البورتريه» تحديدًا؟ وهل كنت تسعى لرسم ملامح شخصية بعينها أم لصورة أوسع للإنسان العربي في لحظة تاريخية مضطربة؟
يعيش الوجدان العربي رحلة بحث أزلية عن بطل أو مخلّص ينقذه من براثن الإمبريالية الغربية وقيود التبعية، ويعيد لفلسطين حريتها السليبة التي طالما أرّقت الأمة.
وقد جسدت هذا التوق الجماعي من خلال مخيلة بطل الرواية، الذي يجتهد في رسم ملامح ذلك «المخلّص» المستحيل. وخلال السرد، تتبعنا تأرجح قلمه الحائر فوق السكتش، بين وجوه وشخصيات مناضلة استدعاها من ثقافات مختلفة، قبل أن يستقر في النهاية عند روح أبي العلا البشري، بما تحمله الشخصية من رمزية تجمع بين طهرانية المبادئ وأصالة المواجهة.
تدور مساحة كبيرة من أحداث الرواية داخل مصحة نفسية.. لماذا اخترت المصحة تحديدًا لتكون المسرح الذي تلتقي فيه الشخصيات؟ وهل المصحة هنا مكان للعلاج أم مرآة لعالم يبدو في الخارج أكثر اضطرابًا من نزلائها؟
العالم بأسره بات أشبه بعنبر فسيح يضج بالجنون والعبث، خصوصًا عندما يأتي الزيف والتناقض من أولئك الذين يرتدون مسوح الديمقراطية وينادون بالعدالة.
فالجنون الحقيقي، في رأيي، لا يبدأ داخل المصحات النفسية، التي ليست سوى نتاج طبيعي للظلم، وإنما يبدأ من قمم هرمية تعلوها غطرسة الدول العظمى، ثم يتسرب عبر الحكومات وأرباب العمل، لينتهي مستقرًا في تفاصيل حياتنا ومنازلنا.
ولا يمكن أن نغفل أننا نعيش واحدة من أغرب المراحل التاريخية وأكثرها عبثية، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ركيزة أساسية تغذي هذا الجنون وتمنحه شرعية يومية.
في الرواية يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين المرض النفسي والاستجابة الطبيعية لعالم مضطرب.. هل أردت طرح سؤال حول من يمتلك حق تعريف «العاقل» و«المجنون»؟
الحقيقة والأكاذيب في عالمنا أصبحت سلعة باهظة الثمن، لا يملك القدرة على اقتنائها إلا من يمتلك القوة الشرائية. وفي النهاية، فإن اليد العليا والجهة الأقوى هي التي تمتلك سلطة صناعة الحقائق وفرضها.
وفي النص، تركت للقارئ وحده مغامرة البحث والتقصي عبر ذلك الخيط الهش الفاصل بين اضطرابات الأبطال والحقائق التي يؤمنون بها. فعلى الرغم من هواجسهم وأوهامهم، استطاعوا ببصيرتهم النفاذ إلى حقائق كبرى تتجاوز حدود العقل المتواضع.
وفي المقابل، تتمسك إدارة المصحة بـ«حقيقتها» الجاهزة، والمتمثلة في اختلال اتزان النزلاء، مستغلة سلطتها لفرض هذا التوصيف، بينما تغلق آذانها أمام الحقيقة الوجودية الأكبر التي أدركها هؤلاء «المجانين» بفطرتهم الإنسانية.
شخصيات المصحة تحمل كل منها عالمًا خاصًا من الخوف والذاكرة والهواجس.. كيف بنيت هذه الشخصيات حتى لا تتحول إلى مجرد «حالات مرضية»، وتظل شخصيات روائية مكتملة؟
لم ينطلق بناء الشخصيات داخل المصحة من رصد التشخيص الطبي، وإنما من الغوص في أعماقها الإنسانية، باعتبارها ذوات مأزومة تبحث عن الخلاص.
وحرصت على منح كل شخصية ذاكرة ممتدة، وأحلامًا مجهضة، وعلاقات متشابكة خلف الأسوار، لتصبح هواجسها الحالية امتدادًا طبيعيًا لتاريخ شخصي صاخب، لا مجرد أعراض عابرة.
فالمصحة في الرواية ليست مجرد مستشفى، وإنما مرآة مكبرة للهشاشة البشرية، حيث يتحول الخوف والاضطراب إلى محرك درامي يكشف الأبعاد النفسية والروحية للشخصيات، لتصبح كائنات حية تتألم وتحب وتشتاق، بعيدًا عن الوقوع في فخ الملفات الطبية الجامدة.
حضور حرب العراق والسياسة الأمريكية ينقل الرواية من الخاص إلى العام.. لماذا كان مهمًا أن تتقاطع مصائر مرضى المصحة مع حدث سياسي وجغرافي بهذا الحجم؟
إن تقاطع مصائر مرضى المصحة مع حرب العراق يعكس حقيقة أن الجدران لا تستطيع عزل الإنسان عن ترابط المصير الإنساني، بل تجعل من المصحة مرآة مكبرة لجنون العالم الخارجي.
وأردت من خلال هذا الربط التأكيد على أن الصدمات السياسية الكبرى والحروب لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية فقط، وإنما تتوغل أيضًا في أعماق الإنسان، لتخترق حتى العقول الأكثر هشاشة وعزلة.
وعندما تلتقي مأساة الفرد الذي شُخّص بالمرض النفسي مع مأساة وطن بأكمله يرزح تحت وطأة الاحتلال، يتلاشى الخط الفاصل بين الخاص والعام، ويصبح جنون الأفراد في الرواية صدى وامتدادًا طبيعيًا لجنون السياسة الدولية وما خلفته من خراب.





