رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«بنية الحكي وتحولاته».. دراسة نقدية في سرديات سعيد بن محمد السيابي

كتاب «بنية الحكي
كتاب «بنية الحكي وتحولاته»

يقدم الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه الجديد «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي» قراءة نقدية تنطلق من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، وإنما كيان حي يتغير عبر مسارات السرد، مع احتفاظه بجوهره الإنساني، بما يفتح تجربة الكاتب العماني سعيد السيابي على آفاق التجريب، ويعيد طرح أسئلة تتعلق بحدود الأجناس الأدبية وتحولاتها.

تجربة سعيد السيابي 

وصدر الكتاب حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، ويقع في نحو 130 صفحة، ويتضمن دراسة تحليلية تأويلية معمقة لتجربة السيابي السردية، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، وليس مجرد تجارب متفرقة موزعة بين أجناس أدبية متعددة.

ويرى التميمي أن تجربة السيابي، على اختلاف أشكالها بين القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة والرواية، تحافظ على خيوط داخلية ناظمة تمنحها وحدة عميقة، ارتبطت بدرجة كبيرة بالواقع العماني والتراث.

وتقوم الدراسة على فرضية أساسية مفادها أن القصة القصيرة جداً لدى السيابي تمثل مختبراً أولياً لتكثيف الحكاية واختزالها إلى الحد الأدنى، من خلال تقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما توفر القصة القصيرة مساحة أوسع لنمو الحدث وتعدد الأصوات، في حين تتيح الرواية مجالاً أكثر اتساعاً لتجريب أشكال سردية مركبة، من أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ثلاثة فصول ترصد تحولات الحكي

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، يسبق كل فصل منها مدخل نظري يوضح الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي محل الدراسة، قبل الانتقال إلى التطبيق على النصوص.

يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويتناول نصوص هذا الجنس الأدبي باعتبارها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تسهم في تنظيم الحكاية وإعادة توزيع عناصرها، بما يؤدي إلى انزياح التوقع وخلق توتر بين المعلن والمضمر.

ويتوقف التميمي عند مجموعات السيابي في القصة القصيرة جداً، وهي: «رغيف أسود» (2015)، و«أحلام الإشارة الضوئية» (2016)، و«المبراة والقلم» (2018)، و«مشا.. كيك» (2019)، و«من الحب» (2021)، متابعاً حضور المفارقة في هذه النصوص بدءاً من العنوان باعتباره عتبة نصية موازية، مروراً بالاستهلال والمتن، وصولاً إلى النهايات التي تصل فيها المفارقة إلى ذروتها.

كما يكشف الفصل عن حضور الخلفية المسرحية في بناء السيابي لنصوصه القصيرة جداً، من خلال توظيف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، ليقترب النص من لقطة درامية مكتملة تقوم على لحظة انكشاف حاسمة.

ويستند التميمي في تحليله إلى مجموعة من المرجعيات النظرية، من بينها جيرار جينيت ومفهومَا «المدة» و«الحذف» السرديين، ورولان بارت في مفهوم «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إلى جانب آراء عدد من النقاد العرب، من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين أدوات السرديات الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فجاء بعنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويتناول بنية القصة لدى السيابي من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، فضلاً عن تمثيلات الذات والعالم.

ويسبق الفصل تمهيد نظري يتناول القصة بوصفها جنساً سردياً يقوم على التوازن بين التكثيف والامتداد، وعلى القدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، وعنوانه «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين موجزتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة.. تحكي»، قبل الانتقال إلى دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد.. قراءة في رواية (جسور متداعية)».

ويقارب التميمي الرواية باعتبارها بنية مركبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول السرد فيها إلى موضوع قائم بذاته. ويقدم الفصل تمهيداً نظرياً للرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب أشكال وخطابات متعددة، ومساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

سؤال الحكي في تجربة السيابي

يوضح التميمي في مقدمة الكتاب أن ما يجمع فصول الدراسة، رغم اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟

كما تتقاطع الفصول في اهتمامها بالعلاقة بين الشكل والمضمون، والتقنية والدلالة، والبنية والتمثيل، مع التأكيد على أن النصوص المدروسة لا تُقرأ باعتبارها أنساقاً دلالية منفصلة، وإنما بوصفها أنساقاً تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويشير الباحث إلى أن الكتاب اعتمد مقاربة تحليلية تأويلية تستفيد من منجزات السرديات الحديثة وبعض المفاهيم التي طورتها الدراسات النقدية المعاصرة، مع تجنب الوقوع في أسر التنظير المجرد أو فرض نماذج جاهزة على النصوص.

ويؤكد أن الغاية لم تكن تطبيق نظرية بعينها، وإنما الإصغاء إلى النص ومحاولة الكشف عن منطقه الداخلي وخصوصيته الجمالية.

ويأتي اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للدراسة، وفق التميمي، انطلاقاً من كونها نموذجاً جديراً بالبحث في السرد العربي المعاصر، لما تتميز به من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي.

وتتحرك تجربة السيابي، كما يخلص الكتاب، بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية، بما يجعلها تجربة سردية قابلة لقراءات نقدية متعددة، ويضعها في سياق أوسع من التحولات التي يشهدها السرد العربي المعاصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء