رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هدى زكريا: "الحروب تتطور بتقدم العلم ولم تعد مواجهات"|خاص

الدكتورة هدى زكريا
الدكتورة هدى زكريا

قالت الدكتورة هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي والعسكري، إن الحروب شهدت تطورًا مستمرًا بالتوازي مع تطور العلم والتكنولوجيا، موضحة أن أدوات الحرب انتقلت من السيوف والسهام إلى الأسلحة النارية، ثم إلى أشكال أكثر تطورًا خلال الحربين العالميتين، وصولًا إلى أنماط جديدة من الصراع لا تعتمد بالضرورة على المواجهة العسكرية المباشرة.

حروب الجيل الرابع والخامس

وأضافت زكريا، لـ«إيجبتك»، أن تطور أدوات الحرب لم يقتصر على الأسلحة والمعدات، وإنما امتد إلى طبيعة المواجهة نفسها، مشيرة إلى أن الحروب القديمة كانت تقوم في الأساس على المواجهة المباشرة بين الجيوش، بينما أصبحت الصراعات الحديثة تستهدف مجالات أخرى، من بينها الروح المعنوية ووعي الشعوب وتماسكها الداخلي.

وأوضحت أن حروب الجيل الرابع والخامس تعتمد بدرجة كبيرة على التأثير في الداخل، من خلال نشر الشائعات وتزييف الوعي والتأثير على الذاكرة الاجتماعية، بدلًا من الاعتماد على استخدام القوة العسكرية التقليدية، مؤكدة أن الهدف هو إضعاف الروح الوطنية وإحداث حالة من الشك والانقسام داخل المجتمع.

ولفتت إلى أن الشائعة ليست ظاهرة حديثة، وإنما استُخدمت عبر التاريخ كأداة من أدوات الحرب، مشيرة إلى أن بعض الغزاة كانوا يعتمدون على نشر أخبار مبالغ فيها عن قوتهم وقسوتهم لإثارة الخوف بين السكان ودفعهم إلى الهروب قبل حدوث مواجهة حقيقية.

بناء الهوية الوطنية

وأردفت أن هذا الأسلوب التاريخي يعكس فكرة أساسية في الحروب الحديثة، وهي التأثير في وعي المجتمع من الداخل، مؤكدة أن مواجهة الشائعات لا تكون بالقوة وحدها، وإنما ببناء وعي تاريخي واجتماعي قادر على التمييز بين الحقيقة والتزييف.

واستكملت زكريا أن مصر تتمتع، عبر تاريخها، بحالة خاصة من الحس الوطني والقدرة على مقاومة محاولات كسر الروح المعنوية، مشيرة إلى أن الوعي بالذاكرة التاريخية وقصص الانتصارات والمقاومة يمثل جزءًا مهمًا من تكوين الشعور بالانتماء لدى الأجيال الجديدة.

وأكدت أن الذاكرة الاجتماعية تمثل أحد العناصر الأساسية في بناء الهوية الوطنية، موضحة أن استحضار التجارب التاريخية وتقديمها للأجيال الجديدة بصورة صحيحة يساعد على تعزيز الانتماء، ويحول دون نجاح محاولات تشويه التاريخ أو فصل الشباب عن جذورهم الوطنية.

وأشارت إلى أن أحد أهداف حروب الجيل الرابع يتمثل في إفقاد الأجيال الجديدة الثقة في الأجيال السابقة، وفي مؤسسات الدولة والوطن، من خلال تقديم صورة سلبية ومستمرة عن الواقع، بما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الرغبة في الانتماء والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

وأضافت أن الحرب على الوعي أصبحت تستهدف كذلك مشاعر الشباب وطموحاتهم وشغفهم، من خلال محاولة دفعهم إلى الغضب من واقعهم والتنصل من هويتهم، وربط النجاح والتقدم بالانتماء إلى مجتمعات أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى خلق حالة من الاغتراب عن الوطن.

وأوضحت أن مواجهة هذه النوعية من الحروب تتطلب التعامل مع الشباب باعتبارهم عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع، والعمل على تقديم المعرفة التاريخية والاجتماعية لهم بصورة موضوعية، وتعزيز قدرتهم على التفكير النقدي وعدم الانسياق وراء الشائعات والمعلومات المضللة.

الحفاظ على الهوية الوطنية

ولفتت زكريا إلى أن الانفتاح على العالم لا يتعارض مع الحفاظ على الهوية الوطنية، مشيرة إلى تجربتها الأكاديمية في الولايات المتحدة، حيث لمست اهتمامًا كبيرًا بالحضارة المصرية القديمة، مؤكدة أن معرفة الشباب بتاريخ بلادهم وحضارتها يمكن أن تكون مصدرًا للقوة والثقة وليس مجرد احتفاء بالماضي.

وأردفت أن بناء الوعي الوطني لا يعني الانغلاق، وإنما يعني أن ينفتح الإنسان على العالم وهو مدرك لجذوره وهويته وتاريخه، حتى لا يتحول الانفتاح الثقافي إلى فقدان للانتماء.

واستكملت أن تطور الحروب مستمر، ومع كل مرحلة جديدة من التطور العلمي والتكنولوجي تظهر أدوات وأساليب جديدة للصراع، مشددة على أن المعركة الأساسية في الوقت الراهن أصبحت معركة وعي وإدراك وقدرة على حماية المجتمع من محاولات التزييف والتأثير النفسي.

وتابعت مواجهة الأجيال الجديدة من الحروب تتطلب تطوير أدوات التعامل مع المعلومات والشائعات، ورفع مستوى الوعي لدى الشباب، وتعزيز الثقة القائمة على المعرفة وليس على الشعارات، بما يحافظ على تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة محاولات التأثير من الداخل.

حروب الجيل السادس

واختتمت مؤكدةً على أن السؤال حول ظهور «حروب الجيل السادس» يرتبط باستمرار تطور أدوات الصراع، مؤكدة أن المهم ليس فقط إطلاق مسميات جديدة على الأجيال المختلفة من الحروب، وإنما فهم طبيعة الأدوات المستخدمة فيها، وكيفية تأثيرها على وعي الشعوب والمجتمعات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء