رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«مرصد الذهب»: «الحوالات» تعمل كمنظومة مقاصة وتسوية داخل سوق الذهب المصري

أسعار الذهب في مصر
أسعار الذهب في مصر

كشف تحليل أجراه «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن منظومة «الحوالات» المتعارف عليها داخل سوق الذهب المصري تؤدي وظائف اقتصادية تتجاوز كونها مجرد آلية لتوريد الذهب بين التجار، إذ تعمل عمليًا كمنظومة للمقاصة والتسوية، مع اختلاف طبيعة الأصل محل التسوية، الذي يتمثل في الذهب بدلًا من النقود.

ويقدم التحليل قراءة اقتصادية لآلية عمل «الحوالات» باعتبارها إحدى أدوات تسوية المعاملات وإدارة السيولة داخل سوق الذهب، دون التطرق إلى الجوانب التنظيمية أو القانونية المرتبطة بها.

وبحسب «مرصد الذهب»، تطورت هذه المنظومة بصورة عرفية على مدار عقود، وأصبحت جزءًا أساسيًا من دورة التداول بين تجار الذهب الخام والمصنعين وتجار التجزئة، بما يسمح بتسوية الالتزامات التجارية دون الحاجة إلى انتقال المعدن فعليًا مع كل عملية بيع أو شراء.

كيف تعمل «الحوالة» داخل سوق الذهب؟

تعتمد الآلية على فصل انتقال الملكية عن الانتقال الفعلي للمعدن. فعندما يبيع تاجر التجزئة كمية من الذهب لأحد العملاء، يحتاج عادة إلى تعويض الكمية المباعة للحفاظ على مخزونه ورأس ماله، خصوصًا في ظل التغيرات المستمرة في أسعار الذهب.

ولنفترض أن التاجر يحتاج إلى 300 جرام من الذهب، فيتواصل مع تاجر الذهب الخام لشراء الكمية، لكن الذهب لا ينتقل بالضرورة إلى حيازة تاجر التجزئة في هذه المرحلة، وإنما يظل لدى تاجر الذهب الخام.

ويقوم التاجر بعد ذلك بإبلاغ المصنع أو الشركة المنتجة للمشغولات أو السبائك بأن لديه «حوالة» لدى تاجر الذهب الخام. وبعد التحقق من صحة الحوالة، يقوم المصنع بتجهيز الكمية وتسليمها إلى التاجر.

وبهذه الآلية، تتم تسوية الالتزامات ونقل حقوق ملكية الذهب بين الأطراف، بينما يظل المعدن نفسه في موقعه إلى حين الحاجة إلى تسليمه فعليًا.

لماذا طورت السوق هذه الآلية؟

يربط «مرصد الذهب» ظهور الحوالات بطبيعة الذهب كسلعة مرتفعة القيمة وسريعة التأثر بحركة الأسعار العالمية، إلى جانب ارتفاع تكلفة ومخاطر نقل المعدن بصورة متكررة بين التجار والمصنعين.

وتسمح الحوالات بتقليل عمليات النقل الفعلي، وما يرتبط بها من تكاليف تأمين وتشغيل ومخاطر أمنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سرعة تنفيذ المعاملات وتسوية الالتزامات.

وبذلك أصبحت الآلية أداة لإدارة دورة رأس المال داخل سوق يتطلب سرعة عالية في التداول، خصوصًا مع تغير أسعار الذهب بصورة مستمرة خلال ساعات التعامل.

«الحوالات» تؤدي وظيفة تشبه المقاصة المالية

يرى «مرصد الذهب» أن المقارنة الاقتصادية بين الحوالات وأنظمة المقاصة والتسوية المالية تكمن في أن كلا النظامين يسمح بتسوية الالتزامات بين الأطراف دون الحاجة إلى انتقال الأصل محل المعاملة في كل خطوة.

ففي النظام المالي، يمكن تسوية المدفوعات بين الأطراف عبر أنظمة المقاصة دون انتقال النقد الورقي من طرف إلى آخر في كل عملية. وبالمثل، تتيح الحوالات داخل سوق الذهب انتقال حقوق الملكية وتسوية الالتزامات، بينما يظل الذهب لدى الجهة التي تحتفظ بالمخزون إلى أن يتم التسليم النهائي.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر وظيفة الحوالة على تنفيذ عملية بيع أو شراء، وإنما تمتد إلى إدارة السيولة وتسريع دوران رأس المال وتقليل تكلفة التسوية داخل القطاع.

تاجر الذهب الخام.. مزود السيولة في المنظومة

يؤدي تاجر الذهب الخام دورًا محوريًا في هذه الدورة، باعتباره الطرف الذي يحتفظ بالمخزون الذي تعتمد عليه حركة التداول بين مختلف حلقات السوق.

وفي المقابل، تمثل الحوالة وسيلة لإثبات حق طرف في كمية محددة من الذهب، بما يسمح باستمرار عمليات التداول دون الحاجة إلى تحريك المعدن في كل مرحلة.

وساعد هذا النموذج على تقليل تكاليف النقل والتأمين، وخفض المخاطر التشغيلية، وتسريع دورة رأس المال، وهو ما رفع كفاءة حركة التجارة داخل سوق الذهب.

الثقة عنصر أساسي.. والرقمنة قد تعالج أبرز التحديات

رغم استمرار منظومة الحوالات لعقود، فإن «مرصد الذهب» يشير إلى عدد من التحديات المرتبطة بطبيعة عملها التقليدية، وفي مقدمتها اعتمادها بدرجة كبيرة على الثقة المتبادلة بين أطراف السوق، إلى جانب استخدام وسائل تقليدية في توثيق بعض المعاملات.

وقد تبرز هذه التحديات عند حدوث نزاعات تجارية أو تعثر أحد الأطراف، فضلًا عن عدم وجود سجل رقمي موحد يتيح تتبع دورة الحوالة وحالتها بصورة فورية.

ويرى المرصد أن هذه التحديات لا تنتقص من كفاءة الآلية التي طورتها السوق، لكنها تفتح المجال أمام تطويرها بما يتناسب مع متطلبات التجارة الحديثة.

هل تتحول «الحوالة» إلى نظام رقمي؟

يطرح التحليل إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا المالية في رقمنة منظومة الحوالات، دون تغيير طبيعتها أو إحلال البنوك محل التجار.

ويتمثل التصور في تحويل الحوالة التقليدية إلى حوالة إلكترونية موثقة تصدر من خلال منصة رقمية متخصصة، مع احتفاظ تاجر الذهب الخام والمصنع وتاجر التجزئة بأدوارهم الحالية.

ويمكن لمنصة من هذا النوع تسجيل بيانات الحوالة، بما يشمل وزن الذهب وعياره والطرف المحيل والطرف المستفيد وتوقيت الإصدار وحالة التنفيذ، بما يوفر سجلًا إلكترونيًا قابلًا للتتبع ويحد من الأخطاء والنزاعات.

كما يمكن أن تساهم الرقمنة في تسريع عمليات التسوية، وتحسين إدارة المخزون والسيولة، وتوفير مستوى أعلى من الشفافية بين أطراف المعاملة، دون تغيير النموذج التجاري الذي اعتادت عليه السوق.

«رقمنة الحوالات امتداد لتطور السوق وليس استبدالًا له»

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن الحوالات تمثل أحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها تجارة الذهب في مصر، بعدما نجحت على مدار سنوات طويلة في تسوية المعاملات بين تجار الذهب الخام والمصنعين وتجار التجزئة بكفاءة وسرعة.

وأوضح أن القيمة الاقتصادية للحوالات لا تكمن في نقل الذهب بقدر ما تتمثل في قدرتها على إدارة التداول والسيولة داخل السوق، بما يسمح للتجار بالحفاظ على استمرارية أعمالهم في ظل التقلبات اللحظية للأسعار.

وأكد أن التطوير المطلوب لا يستهدف استبدال المنظومة أو تغيير طبيعتها، وإنما نقلها إلى بيئة رقمية أكثر كفاءة، بحيث تصبح الحوالة موثقة وقابلة للتتبع إلكترونيًا مع الحفاظ على الأدوار التقليدية لأطراف السوق.

وأشار إلى إمكانية قيام شركات التكنولوجيا المالية بدور في تطوير منصات متخصصة لإدارة الحوالات، على أن تقتصر وظيفتها على البنية التكنولوجية وإدارة البيانات، دون التحول إلى وسيط تجاري أو منافسة أطراف السوق.

واختتم فاروق بأن الحوالات ليست مجرد مصطلح متداول داخل سوق الذهب، وإنما تمثل منظومة اقتصادية تطورت على مدار عقود، معتبرًا أن الحفاظ على كفاءتها لا يتطلب استبدالها، وإنما رقمنتها وتطويرها لتصبح أكثر قدرة على التتبع والتسوية وحماية حقوق أطراف السوق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء