رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أن تمنح نفسك السعادة ليس رفاهية ولا خيارًا مؤجلًا، بل حقٌ أصيل. أكتب إليك، لا لأعظ، بل لأحكي عن امرأة قررت أن تمنح قلبها هدنة مستحقة.

 

الرحلة لم تبدأ من البحر، بل من خزانة المصيف؛ ذلك الطقس السنوي الذي نقنع فيه أنفسنا أن كل شيء جاهز، حتى تفضحنا الليلة الأخيرة. نضيف، نبحث، نتذكر ما نسينا… كأن الفوضى الخفيفة جزء من متعة الرحيل.

 

هذه المرة، كان للطريق طعم مختلف. طريق أعرفه منذ الطفولة؛ كنت أراقب أبي يقود وأشعر بالأمان دون أن أفهمه. اليوم، لم أعد تلك الطفلة فقط، بل صرت أرى. الصحراء لم تعد كما كانت، والعمران زحف إليها بهدوء. أسجّل بعيني قبل كاميرتي: امتداد الرمل، ثم انكساره بزرقة البحر… دعوة مفتوحة للفرح. لم أكن في طريق إلى مكان فقط، بل إلى إحساس قديم أعرفه جيدًا؛ إحساس الطفلة التي كانت تترقب الوصول، والمرأة التي ما زالت تحمل اللهفة نفسها ولكن بوعي مختلف.

 

وصلت… وبهدوء غريب، شعرت أن الرحلة اختارت توقيتها بنفسها. في نفس المكان، نفس القرية، وفي اللحظة نفسها تقريبًا كان مطربي المفضل راغب علامة يصل بطائرته. لم أتعامل معها كصدفة عابرة، بل كلحظة استثنائية أعادت ترتيب إحساسي كله؛ كأن قلبي تلقّى إشارة صغيرة بأن هذا المصيف سيكون مختلفًا. لحظة قد لا تتكرر، لكنها منحتني شعورًا مبكرًا بالفرح، وكأن الإجازة بدأت قبل أن تبدأ.

 

في الصباح، البحر كما يجب أن يكون: صادقًا. ضحكات الناس، حركتهم، صوت الأغاني، الجيت سكي، والباراشوت في السماء. وعلى الشاطئ، رغوة بيضاء تتطاير، فقاعات تلمع  مع إشاعة الشمس ثم تختفي… فرح لا يُمسك، لكنه يُرى ويُحس.

 

يمر صوت بائع الفريسكا، فيأخذني فورًا لطفولة بعيدة. نفس النداء الذي كان يعيدني إلى صيفي قديما علي شواطىء المعمورة والمنتزه، وأنا طفلة أطلب من ماما أو بابا أن يشتريا لي واحدة. أبتسم، لكن بسخرية خفيفة من الزمن؛ لأن ما كان يُشترى بسهولة، صار اليوم رفاهية صغيرة. حتى الذكريات هنا… لها سعر.

 

ومن الشاطئ إلى حمام السباحة، تتغير التفاصيل وتبقى الروح. أضواء، وضحكات ، موسيقى من بعيد، وراحة لا تحتاج إلى استعراض. ورغم ذلك، كنت دائمًا أميل إلى البحر أكثر؛ فماء المسبح، مهما كان جميلًا، أشعر أنه ساكن أكثر من اللازم، بلا تلك الروح التي يمنحها البحر. أما البحر فله خفة مختلفة؛ حين تترك جسدك للماء، فيحملك الموج برفق، تشعر براحة لا تُفسر، وكأنك لا تقاوم شيئًا، بل تترك نفسك للحظة.

 

وفي الليل، أعود إلى البحر. أمشي على الرمل حافية القدمين… ربما لأنني امرأة تنتمي إلى الأرض، أشعر دائمًا أن بيني وبينها علاقة لا تحتاج إلى تفسير. هناك إحساس لا يُقال، بل يُعاش؛ كأن الرمل يذكّرني بأن بعض الأشياء لا نحتاج إلى شرحها، يكفي أن نشعر بها.

 

وأنا أسير بمحاذاة البحر، لا يكون المشهد مجرد تمشية عابرة. هناك عالم آخر يتشكل أمام عيني؛ أضواء الكافيتريات تنعكس على سطح الماء، وصوت البحر الهادئ يختلط بحركة الموج الخفيفة. وفي المارينا، تقف اليخوت الفاخرة راسية في سكونها، تحمل في تفاصيلها معنى آخر للفخامة والجمال. أراها وهي تتحرك بخفة فوق الماء، يحملها موج صغير هادئ، أو تستقر ليلًا تحت الأضواء كأنها جزء من لوحة سينمائية لا تنتهي.

 

أجلس أمام هذا المشهد وأراقب التفاصيل؛ البحر، والضوء، وحركة الماء، وأدرك أن جمال المصيف ليس فقط في الشاطئ أو الشمس، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تمنح الروح شعورًا بالراحة والامتنان.

 

وفي وسط كل هذا، يمر سؤال هادئ: كيف تحولت المتعة عند البعض إلى استعراض؟ كيف أصبح المكان أهم من الإحساس؟
نحن أحيانًا لا نعيش اللحظة… بل نؤديها.

 

فكرة أن علينا الذهاب إلى الأغلى لنشعر أننا نعيش، فكرة مرهقة وغير حقيقية. الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: البحر واحد، والهواء واحد، والمتعة لا عنوان لها. من يجد سعادته في شاطئ بسيط فليذهب ويستمتع، ومن يختار مكانًا أكثر رفاهية فليستمتع أيضًا، دون أن تتحول المتعة إلى مقارنة.

 

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة…

استمتعت. استمتعت بكل ما أحببته؛ بالطريق وذكرياته، بأبي الذي كان يقود وبي الآن وأنا أرى وأسجل، بالبحر، بالشمس، بالناس، بالحفلات، بالفريسكا، باليخوت، بالرمال الباردة، بالهدوء وبالنسمات.

 

استمتعت لأنني كنت هناك… بكلي.

 

هذا الأسبوع كان من حق قلبي.

 

وأنت… هل منحت قلبك ما يستحق؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء