رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«مصرع السفاح.. عبد الناصر في باكستان»|المانشيت الذي مهد لتأميم الصحافة

إيجبتكِ

لم يكن أكثر المتشائمين في مؤسسة «أخبار اليوم» يتوقع أن يتحول خطأ في إخراج عنوان صحفي إلى واحدة من أشهر الوقائع في تاريخ الصحافة المصرية، وأن يظل هذا الخطأ حاضرًا في كتب الإعلام وذاكرة الصحفيين لعقود طويلة، بعدما ارتبط اسمه بواحدة من أكبر الأزمات الصحفية في ستينيات القرن الماضي.

وفي 10 أبريل 1960، نشرت جريدة «الأخبار» في صفحتها الأولى عنوانين منفصلين، لكن طريقة تنسيقهما فوق بعضهما البعض صنعت مانشيتًا مضللًا أثار عاصفة من الجدل، وأصبح من أشهر أخطاء المانشيتات في تاريخ الصحافة المصرية.

خطأ في الإخراج صنع مانشيتًا صادمًا

كان العنوان الأول يقول: «مصرع السفاح»، وهو خبر يتعلق بمقتل محمود أمين سليمان، الذي اشتهر إعلاميًا بلقب «السفاح» بعد سلسلة من جرائم السرقة التي شغلت الرأي العام، وكان مصدر إلهام لرواية اللص والكلاب.

أما العنوان الثاني فكان: «عبد الناصر في باكستان»، ويتناول زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى باكستان.

لكن وضع العنوانين فوق بعضهما البعض جعل القارئ يقرأهما وكأنهما عنوان واحد: «مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان»، وهو ما تسبب في صدمة كبيرة بمجرد توزيع العدد.

مصادرة الأعداد فور صدورها

ما إن اكتُشف الخطأ حتى تحركت الجهات المعنية بسرعة، فحوصرت مؤسسة «أخبار اليوم»، وصودرت نسخ الطبعة الثانية بالكامل، كما أُعدمت الأعداد قبل تداولها على نطاق واسع، واتُّخذت إجراءات داخل المؤسسة كان من بينها إيقاف سكرتير التحرير عبد السلام داود، باعتباره المسؤول عن متابعة إخراج الصفحة الأولى.

وأصبحت الواقعة واحدة من أبرز الأمثلة التي تُدرّس في كليات الإعلام حول أهمية المراجعة النهائية للعناوين قبل الطباعة، لما قد يترتب على أي خطأ في ترتيب الكلمات أو الإخراج من نتائج جسيمة.

أجواء مشحونة قبل التأميم

جاءت الأزمة في فترة كانت الصحافة المصرية تشهد فيها حالة من الجدل بسبب عدد من الموضوعات الجريئة التي نشرتها بعض الصحف، من بينها قصة هروب سيدة مجتمع من زوجها، وقضية القاضيين الشرعيين المعروفة إعلاميًا بـ«الشيخ سن الفيل»، وهي قضايا أثارت اعتراضات واسعة آنذاك.

وفي ظل هذه الأجواء، ازداد الحديث عن ضرورة إعادة تنظيم العمل الصحفي، خاصة مع تصاعد الانتقادات الموجهة لبعض أشكال المعالجة الصحفية.

هل كان المانشيت سببًا في تأميم الصحافة؟

بعد أسابيع قليلة، صدر قانون تنظيم وتأميم الصحافة عام 1960، لتصبح المؤسسات الصحفية مملوكة للدولة وتابعة للاتحاد القومي.

وربط عدد من المؤرخين والباحثين بين واقعة مانشيت «الأخبار» وبين صدور القانون، معتبرين أن الحادث كان أحد الأسباب التي عجّلت بإصداره، بينما يرى آخرون أن الدولة كانت تتجه بالفعل نحو تطبيق هذا التوجه ضمن سياساتها الاشتراكية، وأن القانون كان جزءًا من خطة أوسع لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وليس نتيجة مباشرة للخطأ الصحفي وحده.

رؤية عبد الناصر للصحافة

دافع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن قانون تأميم الصحافة، مؤكدًا أن الهدف منه لم يكن الاستيلاء على المؤسسات الصحفية، وإنما توجيهها لخدمة المجتمع وقضايا المواطنين، منتقدًا ما اعتبره انشغال بعض الصحف بالأخبار المثيرة والموضوعات التي لا تخدم الصالح العام، كما شدد على أن الصحافة يجب أن تكون شريكًا في بناء المجتمع ودعم خطط التنمية، لا مجرد وسيلة لتحقيق الانتشار من خلال أخبار الإثارة.

ورغم مرور أكثر من ستة عقود على الحادث، لا تزال واقعة مانشيت «مصرع السفاح.. عبد الناصر في باكستان» تُذكر باعتبارها واحدة من أشهر أخطاء الإخراج الصحفي في مصر، ونموذجًا على الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها خطأ بسيط في تنسيق العناوين إلى أزمة كبرى، تركت أثرًا في تاريخ الصحافة المصرية، وظلت محل نقاش بين الباحثين والمؤرخين حول علاقتها بقانون تأميم الصحافة عام 1960.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء