من ابن الذوات إلى المثقف المستنير|كيف تغير بطل السينما بعد 23 يوليو؟
بينما كان أنور وجدي يظهر على الشاشة في أربعينيات القرن الماضي ببدلته الأنيقة، وسيارته الفاخرة، وشخصية الشاب المنتمي لعالم القصور والطبقات الثرية، ظهر شكري سرحان في الخمسينيات بملامح مختلفة تمامًا؛ مرة بملابس العامل المكافح، وأخرى في زي الضابط أو الموظف الذي يصنع مستقبله بالعلم والعمل.
لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في شكل الأزياء أو طبيعة الأدوار، بل كان انعكاسًا لتحولات اجتماعية وسياسية عميقة شهدها المجتمع المصري عقب ثورة 23 يوليو 1952، التي أعادت ترتيب خريطة الطبقات، وفتحت الباب أمام صعود نماذج جديدة على الشاشة البيضاء.
فمع تغير صورة المجتمع، تغير أيضًا "بطل السينما المصرية"، فلم يعد الفتى الأول بالضرورة ابن باشا أو وريث ثروة، بل أصبح الموظف، والمهندس، والطالب الجامعي، والضابط، والفلاح، هم أصحاب الحكايات التي تعبر عن أحلام قطاع واسع من الجمهور.
ويبقى السؤال: كيف أعادت ثورة يوليو صياغة "جينات البطل" في السينما المصرية؟ وكيف انتقلت البطولة من عالم الأرستقراطية إلى عالم المواطن العادي؟
سينما الطبقة المخملية.. حين كان البطل ابن الذوات
قبل عام 1952، كانت السينما المصرية تعكس في جانب كبير منها عالمًا أقرب إلى الأحلام الرومانسية، حيث القصور والبدلات الفاخرة والسيارات الحديثة، وكانت شخصية البطل غالبًا تنتمي إلى طبقة اجتماعية ميسورة أو تعيش خارج تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط.
كان الفتى الأول يظهر باعتباره الرجل الأنيق، صاحب الحضور الاجتماعي، الذي يخوض مغامرات عاطفية أو صراعات تدور غالبًا حول الحب والفوارق الطبقية وسوء التفاهم، بينما ظلت القضايا الاجتماعية الكبرى بعيدة نسبيًا عن مركز الحكاية.
في فيلم «غزل البنات» (1949)، قدم أنور وجدي نموذجًا للبطل الرومانسي الأنيق الذي ينتمي إلى عالم مختلف عن عالم الفتاة البسيطة التي يحبها، بينما ظهر الباشا في الفيلم كرمز لعالم السلطة والثراء والخدم والحشم.
أما فيلم «أمير الانتقام» (1950)، فقد جسد نموذج البطل الأسطوري القادم من عالم المغامرات والرومانسية، بعيدًا عن هموم المواطن العادي، بينما قدم «لحن الخلود» (1952) مع فريد الأطرش صورة الفنان الحالم الذي يعيش في أجواء رومانسية داخل عالم شديد الخصوصية.
كانت تلك المرحلة تعبر عن سينما تبحث عن الهروب إلى الحلم، حيث البطولة مرتبطة بالمكانة الاجتماعية والجاذبية الشكلية أكثر من ارتباطها بالعمل أو الكفاح اليومي.
ميلاد البطل الشعبي.. الموظف والضابط والمثقف في صدارة المشهد
بعد الثورة، بدأت السينما تعكس صعود طبقات اجتماعية جديدة، ومعها ظهر نموذج مختلف للبطل؛ شخص قريب من الجمهور، يحمل همومه، ويحقق نجاحه من خلال التعليم والعمل والطموح.
لم يعد البطل بحاجة إلى قصر ليكون مؤثرًا، بل أصبح يكفي أن يمتلك حلمًا وإرادة وقدرة على التغيير.
ويأتي الفنان شكري سرحان كأحد أبرز الوجوه التي جسدت هذا التحول، فقد ارتبط اسمه بشخصية "ابن البلد" المتعلم والمكافح، الذي يصعد بجهده وليس بسبب اسمه أو ثروة عائلته.
في فيلم «رد قلبي» (1957)، قدم سرحان شخصية علي ابن الجنايني الذي يتحول إلى ضابط، في مواجهة مباشرة مع عالم الباشوات ممثلًا في شخصية أحمد مظهر. الفيلم لم يكن مجرد قصة حب، بل حمل رؤية اجتماعية عن تغير موازين القوى وصعود أبناء الطبقات الشعبية.
وفي المقابل، ظهر أحمد رمزي كنموذج آخر لجيل الشباب الجديد، فبملامحه المختلفة وقميصه المفتوح وشخصيته العفوية، قدم صورة للفتى الأول بعيدًا عن الوقار التقليدي الذي ميز نجوم الأربعينيات.
ظهر هذا النموذج بوضوح في أعمال مثل «الوسادة الخالية» (1957)، حيث جسد رمزي روح جيل جديد أكثر انطلاقًا وتمردًا على القيود القديمة.
ولم يتوقف التحول عند ذلك، ففي «الأيدي الناعمة» (1963) أعادت السينما النظر إلى مفهوم الطبقة الراقية نفسها، حيث لم يعد لقب "الباشا" كافيًا لصناعة البطل، بل أصبح العمل والعلم هما معيار القيمة الحقيقية.
أما فيلم «الأرض» (1970)، فنقل البطولة إلى مستوى آخر، حين أصبح الفلاح المدافع عن أرضه هو البطل، في صورة بعيدة تمامًا عن الفتى الأرستقراطي التقليدي.
من الباشا إلى المواطن.. السينما ترسم مجتمعًا جديدًا
مع مرور السنوات، تحولت السينما المصرية إلى مرآة للتغيرات الاجتماعية التي أعقبت ثورة يوليو، فاختفى تدريجيًا نموذج البطل القادم من عالم مغلق، وظهر مكانه بطل يشبه الجمهور، يعيش أزماته، ويحلم بالصعود، ويبحث عن مكانه في المجتمع.
كما وثقت أعمال مثل مسلسل «ليالي الحلمية» عبر أجزائه الأولى تحولات المجتمع المصري وصعود طبقات الموظفين والمثقفين، مقابل تراجع نفوذ طبقة الباشوات بعد قوانين الإصلاح الزراعي والتحولات الاقتصادية.
لم تغير ثورة يوليو موضوعات السينما فقط، بل أعادت تعريف مفهوم البطولة نفسه؛ فلم تعد البطولة مرتبطة بالمال والنسب، وإنما بالعلم والعمل والقدرة على مواجهة الواقع.
وهكذا انتقلت السينما المصرية من عصر "ابن الذوات" إلى زمن "المواطن البطل"، لتصبح الشاشة مساحة تعكس التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع المصري، وتعيد رسم ملامح الإنسان الذي يستحق أن يحمل لقب البطل.


