تفاعل قطاع كبير من الجماهير المصرية أمس بفوز المنتخب الإسباني على نظيره الأرجنتيني بهدف مقابل لا شيء، بغض النظر عن ذلك الجول الذي سدده نيكو ويليامز، وبعدها لم يحتسبه الفار، ذلك المشهد الذي يذكرنا بمباراة مصر والأرجنتين، ولا داعي للخوض في تفاصيلها مرة أخرى.
يطرح السؤال نفسه، عَلامَا كل هذه الفرحة للمنتخب الإسباني؟، هل هذا فقط لكون لامين يامال نصيرًا للقضية الفلسطينية؟، أم أن هناك عوامل أخرى صنعت هذه الشعبية الجارفة للمنتخب الإسباني بين الجماهير المصرية؟، أم لكون المنتخب الإسباني لعب بطريقة جعلته يستحق الفوز؟، أم أن الأمر يرتبط في المقابل بتراجع شعبية المنتخب الأرجنتيني لدى قطاع من الجماهير؟ وهل أصبحت المواقف السياسية والإنسانية للاعبين تؤثر في تشجيع المنتخبات بقدر ما تؤثر نتائجها وأداؤها الفني؟ وهل تحولت كرة القدم بالفعل إلى مساحة تتداخل فيها الرياضة مع السياسة والقضايا الإنسانية؟
ويرى البعض أن هناك عدة عوامل متعلقة بتشجيع عشاق الكرة المصرية لمنتخب الفلامنكو، لعل من أبرزها المواقف التاريخية إذ تجمع البلدين (مصر وإسبانيا) روابط حضارية تمتد لعقود وتتجلى في برامج التبادل الثقافي، مثل مذكرات التفاهم لدعم تعليم اللغة الإسبانية في المدارس والجامعات المصرية، كما توجد اتفاقيات توأمة بارزة تربط بين المدن التاريخية، أبرزها اتفاقية التوأمة بين مدينتي القاهرة وبرشلونة.
ويشير البعض إلى أن زيارة الملك فيليبي السادس وقرينته الملكة ليتيزيا إلى مصر في سبتمبر المنصرم من 2025، جاءت في ظرف إقليمي تزامن مع توتر الأحداث بين حكومة بيدرو سانشيز وإسرائيل بسبب الحرب في غزة، والتي أعلنت تضامنها الكامل مع فلسطين، وأكدت حكومة مدريد مبادرات القاهرة في تعزيز الاستقرار الإقليمي، كما سلطت الضوء على التعاون المتزايد بين البلدين في مجالات التبادل الثقافي والسياحة والطاقة المتجددة، فضلًا عن استثمارات إسبانية متنامية في مصر.
وأعلنت حينئذ إسبانيا، قبل نحو عامين اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، متخذة مواقف واضحة تجاه الحرب على غزة، وفرضت قيودًا على الإمدادات العسكرية لدولة الاحتلال، وقدمت دعمًا للمنظمات الإنسانية العاملة في القطاع، واستنكرت بشدة ما يتعرض له المدنيون في مختلف المحافل الدولية، وهي التي سبقت أفعالها ومواقفها أقوالها.
وشعبيًا، فإن إسبانيا تعد من أكثر الدول الأوروبية التي شهدت شوارعها وميادينها وقفات وتظاهرات تضامنًا مع قطاع غزة طوال سنوات الحرب الأخيرة، مطالبين بوقف الحرب والحصار المفروض على القطاع، في مواجهة غير متكافئة.
أما رياضيًا، فالمنتخب الإسباني به عدد من اللاعبين الذين يدعمون القضية الفلسطينية بشكل واضح وصريح على المستوى الشخصي، ويتبنون رسالة إعلامية لفضح جرائم الكيان في حق الإنسانية، وسبق وأن رفع اللاعب لامين يامال، علم فلسطين، مما يعكس تضامنهم الكامل مع الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة والعيش بسلام وأمان.
وعلى صعيد آخر، فكان إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، قد أعلن دعمه لمنتخب الأرجنتين وقائده ليونيل ميسي، ونشر مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهر فيه داخل مكتبه ممسكًا بكأس ذهبي، معلنًا منحه للأرجنتين، وقال: "يلا يا ميسي.. هيا يا أرجنتين"، مبررًا ذلك بقوله إن الأرجنتين "تحب إسرائيل".
وفي نفس السياق، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في تصريحات صحفية قبل المباراة، تمنياته بفوز المنتخب الأرجنتيني باللقب، هذا فضلًا عن فيديو ظهر فيه يعلن تضامنه الكامل مع الأرجنتين، وهو ما دفع الكثيرين إلى الربط بين تلك التصريحات وما يتم تداوله حول الدعم السياسي والإعلامي الذي يحظى به ليونيل ميسي في الولايات المتحدة وإسرائيل.
فلم يكن التعاطف الذي أبداه قطاع من الجماهير المصرية مع المنتخب الإسباني وليد مباراة أو مهارة لاعب بعينه، بقدر ما عكس تداخلًا بين الرياضة والسياسة والثقافة في تشكيل وجدان المشجع، فالعلاقات المصرية الإسبانية شاهدة على مدار عقود التعاون المتنامي في مجالات الثقافة والتعليم والاقتصاد والسياحة، كما أسهمت مواقف مدريد الرسمية والشعبية تجاه القضية الفلسطينية في تعزيز صورة إيجابية لإسبانيا لدى كثير من المصريين. لذلك، بدا تشجيع المنتخب الإسباني بالنسبة للبعض امتدادًا لتقدير مواقف سياسية وإنسانية، إلى جانب الإعجاب بما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، في تأكيد جديد على أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت لغة تعكس في كثير من الأحيان مواقف الشعوب وتوجهاتها.
