محمد الشافعي: القضاء على تكلس وزارة الثقافة هو المهمة الأولى للوزير القادم|خاص
قال الكاتب الصحفي الكبير محمد الشافعي إن وزارة الثقافة تعاني منذ سنوات طويلة من حالة من التكلس الإداري والفكري، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة لا تحتمل الاكتفاء بقرار واحد من الوزير الجديد، وإنما تحتاج إلى حزمة من القرارات الحاسمة التي يجب اتخاذها منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية، حتى تستعيد الوزارة دورها الحقيقي باعتبارها إحدى أهم مؤسسات الدولة المعنية ببناء الإنسان وصياغة الوعي.
دور وزارة الثقافة
وأوضح الشافعي، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، أن القضية الأساسية لا تكمن في تغيير الأشخاص بقدر ما تتمثل في القضاء على حالة الجمود التي أصابت الوزارة، مشيرًا إلى أن الثقافة هي قاطرة التنمية الحقيقية، وأن جميع القطاعات، من الاقتصاد والسياسة إلى الصناعة والمؤسسة العسكرية، تحتاج إلى الثقافة باعتبارها المحرك الرئيسي لتقدم المجتمع.
وأكد أن استعادة الدور الحقيقي لوزارة الثقافة تبدأ بإحياء مؤسساتها الكبرى وتطوير آليات عملها، بحيث تصبح أكثر قدرة على استيعاب المبدعين والاستفادة من أفكارهم، بعيدًا عن الأساليب التقليدية في الإدارة، وأن التطوير لا يجب أن يقتصر على تغيير القيادات، وإنما ينبغي أن يشمل إعادة النظر في منظومة العمل بالكامل.
إطلاق مبادرة قومية
وتابع أن اختيار القيادات وحده لن يكون كافيًا لتحقيق النهضة المطلوبة، داعيًا إلى فتح الباب أمام جميع أصحاب الرؤى والأفكار للمشاركة في تطوير العمل الثقافي، مشيرا إلى أن الوزارة يمكنها إطلاق مبادرة قومية تستقبل من خلالها مقترحات تطوير المؤسسات الثقافية، تبدأ من القرى والنجوع، ثم المراكز والمحافظات، وصولًا إلى المستوى المركزي، على أن تتولى لجان متخصصة دراسة هذه الأفكار واختيار ما يصلح منها للتنفيذ.
قوة مصر الناعمة
وأضاف أن مصر تمتلك ثروة هائلة من العقول المبدعة في مختلف المحافظات، وأنه خلال فترة وجيزة يمكن جمع مئات، بل آلاف الأفكار القادرة على إحداث نقلة نوعية في أداء وزارة الثقافة، إذا ما أُتيحت الفرصة لأصحابها للمشاركة، مؤكدًا أن الوزارة تمثل الواجهة الحقيقية للقوة الناعمة المصرية.
وأشار إلى أن مفهوم القوة الناعمة الذي طرحه المفكر الأمريكي جوزيف ناي في تسعينيات القرن الماضي سبق أن طبقته مصر عمليًا منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عندما استطاعت بث تأثيرها الثقافي في مختلف أنحاء العالم العربي وإفريقيا وآسيا، بل ووصلت إلى أوروبا من خلال الأدب والفنون والموسيقى والمسرح والسينما، حتى أصبحت الثقافة المصرية نموذجًا يحتذى به.
وأكد الشافعي أن التجربة الثقافية المصرية في تلك المرحلة يجب أن تكون محل دراسة واستلهام، لأنها أثبتت قدرة الثقافة على تعزيز مكانة الدولة، موضحًا أن مصر ربما كانت قوة عسكرية أو اقتصادية في فترات مختلفة، لكنها ظلت عبر التاريخ قوة ثقافية عظمى، وهو ما يضع على عاتق وزير الثقافة مسؤولية كبيرة للحفاظ على هذا الإرث واستثماره.
مواصفات الوزير الجديد
وفي حديثه عن مواصفات الوزير الجديد، أوضح أن وزير الثقافة يجب أن يكون مستنيرًا، قادرًا على الإنصات واستيعاب الآراء المختلفة، وأن يمتلك القدرة على احتواء أصحاب الرأي حتى وإن اختلفوا معه، لأن الإدارة الناجحة تقوم على الاستفادة من جميع الكفاءات والخبرات، وليس على العمل الفردي.
وأضاف أن الوزير لا يمكنه النجاح بمفرده، بل يحتاج إلى فريق عمل يضم مساعدين يمتلكون الخبرة والإخلاص والوعي، خاصة أن الوزارة تضم ملفات شديدة التنوع تشمل المسرح، والموسيقى، والأوبرا، والفنون التشكيلية، والسينما، والأدب، والشعر، والرواية، والفكر، وغيرها من القطاعات الثقافية، مؤكدًا أن الوزير ليس مطلوبًا منه أن يكون متخصصًا في كل هذه المجالات، وإنما أن يحسن اختيار من يساعدونه ويقدمون له الرؤية الوطنية الصادقة.
واستشهد الشافعي بالتجربة الفرنسية، مشيرًا إلى أن الرئيس شارل ديجول كان يمنح وزير الثقافة أندريه مالرو مكانة استثنائية، ويحرص على أن يجلس إلى جواره في الاجتماعات الرسمية، انطلاقًا من إيمانه بأن الثقافة ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة.
استعاد موقف وزير الثقافة
كما استعاد موقف وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة عندما رفض في البداية تولي المنصب، قبل أن يقنعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بقوله: "الثورة دي مش جاية عشان تبني مصانع ومباني بس... الثورة دي جاية عشان تبني الإنسان" مؤكدًا أن هذه العبارة تلخص فلسفة وزارة الثقافة ورسالتها الأساسية، مشيرا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تعاقب عدد من الوزراء دون أن يترك معظمهم بصمة حقيقية في تطوير العمل الثقافي، معتبرًا أن نجاح أي وزير يرتبط بقدرته على إعادة بناء المؤسسات، وإطلاق طاقات المبدعين، ووضع رؤية واضحة تستعيد بها مصر مكانتها الثقافية.
واختتم الشافعي حديثه لـ “إيجبتك”: مؤكدا أن وزارة الثقافة تستحق اهتمامًا استثنائيًا من الدولة، لأنها إحدى الوزارات السيادية المسؤولة عن تشكيل الوعي وبناء الإنسان، مشددًا على أن استعادة قوة مصر الناعمة تبدأ من إعادة الاعتبار لدور الثقافة، ومنحها المكانة التي تليق بتاريخها وتأثيرها في الداخل والخارج.





