علي الوردي.. المفكر الذي كشف «مهزلة العقل البشري» وأعاد قراءة المجتمع الع
تحل اليوم ذكرى رحيل عالم الاجتماع والمؤرخ العراقي علي الوردي، أحد أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين، والذي رحل في 13 يوليو 1995 بعد صراع مع مرض السرطان، تاركًا مشروعًا فكريًا ما زال حاضرًا في الدراسات الاجتماعية والفكرية العربية، وتميز الوردي بقراءاته النقدية للمجتمع والتاريخ، واعتماده على مناهج علم الاجتماع الحديثة في تفسير الظواهر الاجتماعية، ليصبح أحد أكثر المفكرين العرب تأثيرًا وإثارةً للجدل في القرن الماضي.
رحلة علمية
ولد علي حسين محسن عبد الجليل الوردي في العراق، واتجه مبكرًا إلى دراسة علم الاجتماع، فحصل على درجة الماجستير عام 1948 عن رسالته «سوسيولوجيا الإسلام»، ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة حتى نال درجة الدكتوراه عام 1950 عن أطروحته «نظرية المعرفة عند ابن خلدون»، وبعد عودته إلى العراق عمل أستاذًا بقسم علم الاجتماع في جامعة بغداد، وظل يمارس التدريس والبحث العلمي حتى تقاعده عام 1970، متفرغًا للتأليف والكتابة.
قراءة مختلفة للمجتمع
لم يكن الوردي مؤرخًا بالمعنى التقليدي، بل كان ينظر إلى التاريخ باعتباره انعكاسًا لحركة المجتمع وطبيعة الإنسان، لذلك حاول أن يفسر الأحداث التاريخية والاجتماعية من منظور علم الاجتماع، مبتعدًا عن المثالية أو الانحياز، وداعيًا إلى قراءة الوقائع في سياقها الزمني والسياسي، لا من خلال الأحكام المسبقة أو الصراعات الموروثة.
كما عُرف بدعوته إلى نبذ التعصب الطائفي والمذهبي، مؤكدًا أن المجتمعات لا يمكن أن تتقدم وهي أسيرة خلافات الماضي، وأن فهم التاريخ يجب أن يكون وسيلة لاستخلاص الدروس، لا لإحياء الصراعات.
مؤلفات صنعت شهرته
ترك علي الوردي ما يقرب من ثمانية عشر كتابًا، إلى جانب مئات البحوث والمقالات، وأصبحت مؤلفاته من أكثر الكتب تداولًا بين المهتمين بالفكر والاجتماع في العالم العربي، ومن أشهر أعماله «وعاظ السلاطين»، الذي تناول فيه العلاقة بين السلطة ورجال الدين، و«مهزلة العقل البشري»، الذي ناقش فيه طبيعة التفكير الإنساني والتعصب الفكري، و«خوارق اللاشعور»، و«أسطورة الأدب الرفيع»، و«شخصية الفرد العراقي»، و«منطق ابن خلدون»، و«الأحلام بين العلم والعقيدة»، و«طبيعة المجتمع العراقي»، إلى جانب موسوعته «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث».
«مهزلة العقل البشري»
يبقى كتاب «مهزلة العقل البشري» أشهر أعمال الوردي وأكثرها انتشارًا، إذ قدم من خلاله قراءة نقدية لطبيعة العقل الإنساني، موضحًا أن الإنسان كثيرًا ما يتمسك بالأفكار التي ورثها، ويرفض الاستماع إلى الآراء المخالفة، وهو ما يؤدي إلى التعصب والانغلاق الفكري، وقد ناقش الكتاب قضايا اجتماعية وفكرية عديدة، بلغة جمعت بين التحليل العلمي والأسلوب الأدبي الساخر، فحقق انتشارًا واسعًا في مختلف أنحاء الوطن العربي.
مقولات خالدة
اشتهر علي الوردي بعدد كبير من العبارات التي ما زالت تتردد حتى اليوم، ومن أبرزها قوله: «ليس في هذه الدنيا شيء يمكن أن يتلذذ به الإنسان تلذذًا مستمرًا، فكل لذة مهما كانت عظيمة تتناقص تدريجيًا عند تعاطيها»، كما قال: «يا ويل القراء من أولئك الكتاب الذين لا يقرأون»، وقال أيضًا: «إن من العقل أن تكون مجنونًا أحيانًا». ومن أكثر عباراته تداولًا قوله: «إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها، ولا يقرأ إلا الكتب التي تؤيد معتقداته، لا يمكن أن يكون محايدًا في الحكم على الأمور».