رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاوضات لا تنتهي.. كيف حوّلت إيران الصبر إلى سلاح على طاولة التفاوض

الوفد الإيراني في
الوفد الإيراني في المفاوضات

في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود القطرية والباكستانية لإحياء مسار التفاوض غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة، وتؤكد العاصمتان إحراز "تقدم إيجابي" في المحادثات الأخيرة، تبدو طهران مرة أخرى غير مستعجلة للوصول إلى اتفاق سريع، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها. 

بالنسبة لصناع القرار في طهران، لا يُقاس نجاح المحادثات مع واشنطن بسرعة انتهائها، بل بحجم المكاسب التي يمكن انتزاعها مع مرور الوقت، هذا النهج ليس وليد الجولة الحالية، ولا يرتبط بملف بعينه، بل يمثل إحدى السمات الأكثر رسوخًا في الدبلوماسية الإيرانية. 

بكاء المفاوضة الأمريكية

فمنذ أزمة الرهائن الأمريكية، مرورًا بالمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، ووصولًا إلى جولات فيينا ومسقط والدوحة، حافظ المفاوض الإيراني على الاستراتيجية نفسها: الصبر، وإطالة أمد التفاوض، ورفض الاستجابة لضغوط الوقت، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الطرف الأكثر استعجالًا هو الأكثر استعدادًا لتقديم التنازلات.

ولعل المشهد الذي روته كبيرة المفاوضين الأمريكيين السابقة ويندي شيرمان عن إحدى جلسات الاتفاق النووي عام 2015، حين انهارت من شدة الإرهاق بينما واصل كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي النقاش بهدوء تام، لم يكن مجرد واقعة إنسانية عابرة، بقدر ما كان انعكاسًا لفلسفة تفاوضية ترى في الوقت أحد أهم أسلحة إيران على طاولة المفاوضات.

لم يكن المشهد الذي روته المفاوضة الأمريكية ويندي شيرمان عن إحدى جلسات الاتفاق النووي عام 2015 مجرد لحظة إنسانية عابرة، بل اختزل، في نظر كثير من المراقبين، الفارق بين مدرستين تفاوضيتين. 

فبعد أشهر طويلة من الاجتماعات المرهقة، تقول شيرمان إنها لم تستطع إخفاء إرهاقها، وانهمرت دموعها خلال نقاش شاق مع كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي، بينما بقي الأخير هادئا، محافظا على نبرة واحدة، وكأن الزمن يقف إلى جانبه لا ضدّه.

سواء اعتُبرت تلك الواقعة نقطة تحول أو مجرد لحظة ضغط نفسي، فإنها سلطت الضوء على سمة طالما ارتبطت بالمفاوض الإيراني: الصبر. 

تفاوضية الصبر

على امتداد أكثر من أربعة عقود من المفاوضات مع الغرب، لم تُعرف إيران بأنها الطرف الذي يسعى إلى حسم سريع، بل على العكس، بنت لنفسها سمعة تفاوضية تقوم على الصبر، وإطالة أمد المحادثات، وإدارة الوقت باعتباره أحد أهم عناصر القوة. وبينما كانت الإدارات الأمريكية تتبدل، وتتغير الحكومات الأوروبية، وتتعاقب الأزمات الإقليمية، ظل النهج الإيراني يكاد لا يتغير: لا اتفاق قبل استنفاد كل أوراق التفاوض، ولا تنازل من دون مقابل، ولا استعجال مهما تصاعدت الضغوط.

هذا النهج لم يكن مجرد انطباع لدى خصوم طهران، بل تحول إلى سمة راسخة في معظم محطات التفاوض، من أزمة الرهائن واتفاق الجزائر عام 1981، مرورًا بالمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، وصولًا إلى جولات فيينا ومسقط والدوحة والمحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة. وخلال هذه المسيرة الطويلة، برز اسم عباس عراقجي بوصفه أحد أبرز مهندسي هذا الأسلوب، ح

فطهران لا تدخل المفاوضات بحثا عن اتفاق سريع، ولا تنظر إلى الوقت باعتباره عبئا ينبغي التخلص منه، بل تعتبره أحد أهم عناصر القوة، وتتعامل مع كل يوم إضافي على طاولة التفاوض باعتباره فرصة لتحسين الشروط، أو استنزاف خصمها سياسيا، أو انتظار تغيرات إقليمية ودولية قد تقلب موازين التفاوض.

 

الوقت.. السلاح الذي لا ينفد

إذا كانت الدول تدخل المفاوضات عادة وهي تحمل أوراق ضغط اقتصادية أو عسكرية أو سياسية، فإن إيران أضافت إلى هذه الأدوات ورقة أخرى أقل وضوحا وأكثر فاعلية: وهو الوقت.

فعلى مدار عقود، لم تتعامل طهران مع عامل الزمن باعتباره عدوا، بل حولته إلى أداة ضغط على الطرف الآخر. فبينما تتعرض الإدارات الأمريكية لضغوط الانتخابات، والكونغرس، والرأي العام، وحسابات الأسواق، لا يشعر الوفد الإيراني غالبا بالعجلة ذاتها، وهو ما يمنحه مساحة أوسع للمناورة.

ولهذا، كثيرا ما تمتد الجولات التفاوضية لأشهر، بل لسنوات، تتخللها جلسات مطولة، وتوقفات متكررة، وعودة إلى نقاط سبق الاتفاق عليها، في أسلوب يراه خبراء التفاوض جزءا من استراتيجية مدروسة تهدف إلى اختبار قدرة الطرف المقابل على الصمود قبل اختبار قوة حججه.

عراقجي.. مهندس مدرسة "النفس الطويل"

عراقجي المفاوض المحنك
عراقجي المفاوض المحنك

 

في قلب هذه المدرسة يبرز اسم عباس عراقجي، أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الإيرانية، والذي تحول خلال العقد الأخير إلى العقل التفاوضي الأكثر حضورا في الملفات الحساسة بين طهران والغرب.

وفي كتابه "قوة التفاوض"، يطرح مجموعة من المبادئ التي تحكم الأداء الإيراني، من أبرزها:

الصبر الطويل.
- عدم التسرع في إغلاق الملفات.
- فهم دوافع الطرف المقابل أكثر من التركيز على مطالبه المعلنة.
- استخدام الوقت كورقة ضغط.
- الفصل بين التكتيك والاستراتيجية.
- الحفاظ على الهدوء مهما بلغت الضغوط.

وقد وصفت تقارير غربية عراقجي بأنه مفاوض "صاحب وجه البوكر" يعتمد التكرار والصبر والغموض المدروس، وهي السمات التي انعكست في مفاوضات 2015 ثم في الجولات اللاحقة.

رغم الخلافات العميقة، تحدثت ويندي شيرمان في أكثر من مناسبة عن عراقجي باعتباره:

شديد الذكاء.
صلبا في التفاوض.
قليل الانفعال.
لا يتفاوض على أساس الثقة وإنما المصالح.

وقالت إن العلاقة الشخصية التي نشأت بينهما لم تغير شيئا من مواقف البلدين، مؤكدة أن الاتفاق النووي "بني على التحقق والرقابة وليس على الثقة".

وتكشف هذه الرؤية أن المفاوض الإيراني لا يقيس نجاحه بعدد الجولات التي يعقدها، وإنما بحجم المكاسب التي يحققها عند نهاية الطريق، مهما طال الزمن، وأن الطرف الأكثر استعجالا هو الأكثر استعدادا لتقديم التنازلات

حين بكت شيرمان

حين بكت ويندي شيرمان
حين بكت ويندي شيرمان

واحدة من أكثر المشاهد استحضارا عند الحديث عن المفاوضات النووية.

ففي مذكراتها ومقابلاتها اللاحقة، تحدثت كبيرة المفاوضين الأمريكيين ويندي شيرمان عن أشهر طويلة من الجلسات المكثفة، قبل أن تصل إلى لحظة وصفتها بأنها كانت شديدة الإرهاق، وقالت لعباس عراقجي: "كفى يا عباس"، قبل أن تنهمر دموعها أثناء النقاش.

ورغم أن شيرمان أوضحت لاحقا أن الدموع كانت انعكاسا لضغط نفسي هائل، وليست تراجعا تفاوضيا، فإن القصة تحولت إلى رمز لحجم الاستنزاف الذي تفرضه المفاوضات مع إيران على خصومها، بعدما استطاع الوفد الإيراني الحفاظ على هدوئه واستكمال التفاوض دون تغيير في أسلوبه.

وفي كل مرة، يكاد المشهد يتكرر: جولات طويلة، وتصريحات متفائلة يعقبها تعثر، ثم استئناف للمحادثات بعد أسابيع أو أشهر، في نمط أصبح جزءا من الهوية التفاوضية الإيرانية.

قد تختلف التقديرات بشأن نجاح أو فشل المفاوضات مع إيران، لكن ثمة حقيقة يصعب تجاهلها: **طهران لا تعتبر الوقت تكلفة، بل استثمارا سياسيا**. وبينما يقيس كثير من المفاوضين نجاحهم بسرعة الوصول إلى الاتفاق، يقيسه الإيرانيون بقدرتهم على الوصول إليه بالشروط التي يريدونها، حتى لو استغرق ذلك سنوات.

ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو كل جولة تفاوض مع إيران وكأنها تبدأ من حيث انتهت السابقة؛ فالمفاوض الإيراني لا يخوض سباقا مع الزمن، بل يجعل الزمن نفسه أحد أبرز حلفائه على طاولة التفاوض.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء