من دار الأوبرا إلى اعتصام المثقفين.. قصة اقالة إيناس عبد الدايم
لم تكن قضية إقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية حدثًا إداريًا عابرًا داخل مؤسسة ثقافية، بل تحولت خلال عام 2013 إلى واحدة من أبرز القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط الثقافية والفنية والسياسية في مصر، ومع تصاعد الأحداث وتوسع ردود الفعل، تجاوزت القضية حدود دار الأوبرا ووزارة الثقافة، لتصبح جزءًا من حالة الاحتقان العام التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الحاد الذي سبق ثورة الثلاثين من يونيو.
قرار الإقالة وسياقه الإداري
في مايو 2013 أصدر وزير الثقافة آنذاك علاء عبد العزيز قرارًا بإنهاء انتداب الدكتورة إيناس عبد الدايم من منصب رئيس دار الأوبرا المصرية، مع تكليف مسؤول آخر بتسيير الأعمال، ولم يكن القرار منفصلًا عن سلسلة تغييرات إدارية شهدتها الوزارة خلال الفترة نفسها، حيث طالت الإقالات والتغييرات عددًا من القيادات الثقافية في مؤسسات مختلفة تابعة لوزارة الثقافة.
وقد برر الوزير القرار باعتباره إجراءً إداريًا يتعلق بمتابعة أداء المؤسسة وتطوير إدارتها، مشيرًا إلى وجود ملاحظات تتعلق بعدد من الملفات الإدارية، من بينها آليات الإدارة والتسويق والمشتريات داخل دار الأوبرا، كما أشار إلى وجود مخالفات وملفات جرى تحويلها إلى جهات التحقيق المختصة للنظر فيها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.
رد إيناس عبد الدايم على قرار الإبعاد
من جانبها، نفت الدكتورة إيناس عبد الدايم أن تكون قد أُبلغت مسبقًا بوجود أي مخالفات أو تحقيقات مرتبطة بإدارتها لدار الأوبرا المصرية، مؤكدة أن القرار جاء بشكل مفاجئ ودون إنذارات أو مناقشات سابقة، كما أوضحت أن توقيت القرار جاء قبل توجهها لمناقشة ميزانية دار الأوبرا، وهو ما دفعها إلى اعتبار أن ما حدث لا يتعلق فقط بأسباب إدارية.
وأشارت إلى وجود ما وصفته بتحركات تستهدف إبعاد عدد من القيادات الثقافية خلال تلك المرحلة، معتبرة أن الأمر تجاوز فكرة تقييم الأداء داخل مؤسسة بعينها، وأصبح مرتبطًا بعملية تغيير أوسع داخل المؤسسات الثقافية التابعة للدولة.
تحول القضية من قرار إداري إلى قضية ثقافية
لم يتعامل عدد كبير من المثقفين والفنانين مع القرار باعتباره مجرد إجراء تنظيمي داخل مؤسسة حكومية، بل رأوا فيه خطوة تحمل أبعادًا أكبر تتعلق بالمشهد الثقافي المصري بأكمله، ففي ذلك الوقت كانت البلاد تشهد حالة استقطاب سياسي واسعة خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي، وهو ما جعل العديد من المثقفين ينظرون إلى التغييرات داخل المؤسسات الثقافية باعتبارها جزءًا من مشروع لإعادة تشكيل المجال الثقافي.
وخلال تلك الفترة تردد مصطلح "أخونة الثقافة" بصورة واسعة بين المثقفين والفنانين، حيث اعتبر البعض أن استبدال عدد من القيادات الثقافية قد يؤدي إلى تغييرات في طبيعة المؤسسات ودورها الثقافي والفني، الأمر الذي أدى إلى اتساع نطاق الاعتراضات وتحولها إلى حالة احتجاج جماعي داخل الوسط الثقافي.
بداية الاحتجاجات داخل دار الأوبرا
جاءت ردود الفعل سريعًا داخل دار الأوبرا المصرية، حيث أعلن عدد من الفنانين والعاملين رفضهم للقرار، وشهدت الأوبرا واحدة من أبرز لحظات الاحتجاج غير المعتادة عندما أوقف فنانون عرض "عايدة" وخرجوا أمام الجمهور حاملين لافتات احتجاج بدلاً من استكمال العرض، في مشهد اعتبره كثيرون حدثًا استثنائيًا في تاريخ المؤسسة.
ومع استمرار الاعتراضات، بدأ العاملون والفنانون الحديث عن تنظيم اعتصام مفتوح، كما بدأت دعوات للتضامن مع إدارة الأوبرا والفنانين المعترضين على القرار، لتنتقل الأزمة من إطار المؤسسة الواحدة إلى نطاق أوسع داخل المجتمع الثقافي.
امتداد الاحتجاجات إلى وزارة الثقافة
لم تتوقف الاحتجاجات عند حدود دار الأوبرا، بل امتدت إلى مقر وزارة الثقافة نفسها، حيث تحولت الاعتراضات إلى اعتصام شارك فيه عدد كبير من الكتاب والفنانين والمسرحيين والسينمائيين والشخصيات العامة، وشهدت الوزارة خلال تلك الفترة تجمعات وفعاليات متعددة اتخذت أشكالًا متنوعة من الاعتراض الثقافي والفني.
ومع اتساع حجم المشاركة، تغيرت طبيعة المطالب المطروحة، ففي البداية تركزت الدعوات حول إعادة الدكتورة إيناس عبد الدايم إلى منصبها، إلا أن المطالب تطورت لاحقًا لتشمل الدعوة إلى إقالة وزير الثقافة نفسه، باعتبار أن القضية أصبحت مرتبطة بمسار أوسع للتعامل مع المؤسسات الثقافية.
الأبعاد الأوسع للقضية
مع مرور الوقت تحولت قضية إقالة إيناس عبد الدايم إلى حدث ارتبط بالسياق السياسي العام الذي كانت تمر به مصر خلال تلك المرحلة، وأصبحت بالنسبة لكثير من المتابعين إحدى الوقائع التي التقت فيها اعتراضات الوسط الثقافي مع حالة الغضب السياسي والاجتماعي الأوسع التي سبقت ثورة 30 يونيو 2013.
وبعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد لاحقًا، عادت الدكتورة إيناس عبد الدايم إلى المشهد الثقافي الرسمي، وتولت فيما بعد منصب وزيرة الثقافة، لتعود القضية باعتبارها واحدة من أبرز المحطات التي شهدت تداخلًا واضحًا بين الثقافة والسياسة خلال تلك المرحلة من تاريخ مصر المعاصر.


