٢١ عاما على "ملاكي إسكندرية" .. محطة فارقة غيرت دماء سينما الألفية الجديدة
تمر اليوم الذكرى الحادية والعشرون على العرض الأول لفيلم "ملاكي إسكندرية"، والذي انطلق في دور العرض السينمائية في 20 يونيو 2005، ولم يكن هذا العمل مجرد فيلم جريمة عابر، بل مثل محطة سينمائية فارقة غيرت دماء السينما المصرية في الألفية الجديدة، ودشنت انطلاقة جيل جديد من النجوم وصناع السينما الذين تصدروا المشهد لسنوات طويلة تلت ذلك العرض.
نقطة التحول والبطولة الجماعية
جاء الفيلم في فترة سادت فيها الموجة الكوميدية على شباك التذاكر، فكان المراهنة على فيلم تشويق وغموض وسيكودراما مغامرة كبيرة أقدمت عليها المخرجة ساندرا نشأت، ونجح الفيلم في تحقيق إيرادات ضخمة تجاوزت 8.9 مليون جنيه مصري حينها، وأثبت أن الجمهور متعطش للقصص البوليسية الذكية المليئة بالالتواءات الدرامية.
وضم الفيلم توليفة مميزة من النجوم الشباب الذين كان هذا العمل بمثابة شهادة ميلاد لنجوميتهم المطلقة، منهم أحمد عز في دور المحامي الشاب "أدهم"، والذي أثبت من خلاله جدارته بأدوار البطولة والعمق النفسي بعيداً عن أدوار الشاب الوسيم التقليدي، وغادة عادل في دور "سحر عبد المجيد" الزوجة المتهمة التي تتأرجح ملامحها بين البراءة التامة والغموض، ونور اللبنانية في دور السكرتيرة "ليلى الجوهري" التي تدور حولها الشكوك، ومحمد رجب في دور "معتز" ابن القتيل والذي قدم أداء لافتا في تجسيد الشاب الحاقد والمضطرب، وخالد صالح الراحل الكبير الذي خطف الأنظار بدور المحامي "منتصر" الصديق المخلص والمحرك غير المتوقع للأحداث، إضافة إلى النجوم ريهام عبد الغفور ومحمود عبد المغني ونضال الشافعي والقديرين خالد زكي وسامح الصريطي.
حبكة ولعبة العقول
تدور أحداث الفيلم حول جريمة قتل غامضة تهز الأوساط الراقية في مدينة الإسكندرية، حيث يقتل رجل الأعمال "حسين نصحي" الفنان خالد زكي، في فيلته، وتوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى زوجته "سحر"، وتلجأ سحر إلى مكتب محاماة كبير، ويرفض المحامي الشهير القضية، فيتولاها بحماس المحامي الشاب "أدهم" الذي يقع في حب موكلته ويسخر كل ذكائه لإثبات براءتها.
يبدأ أدهم رحلة بحث بوليسية معقدة، مخترقا حياة عائلة القتيل وسكرتيرته، ويقود المشاهد في سيناريو وحوار صاغه باقتدار الكاتب محمد حفظي عن قصة وائل عبد الله، وتميز النص بالذكاء التام، حيث كان يسلم المشاهد خيطا ليتضح في المشهد التالي أنه مجرد فخ، وصولا إلى النهاية الصادمة التي كشفت أن القاتل الحقيقي هو الشخص الأبعد تماما عن الشبهات، مما ترك بصمة في ذاكرة السينما لا تنسى.
الرؤية الإخراجية والعناصر الفنية
وخلف الكاميرا، قادت المخرجة ساندرا نشأت العمل برؤية بصرية عصرية مستوحاة من سينما الغموض الهوليودية لكن بنكهة مصرية خالصة، حيث اعتمدت على زوايا تصوير مبتكرة لكادر الإضاءة والتصوير نقلت بها أجواء الإسكندرية الشتوية الغامضة والباردة لتتماشى مع برودة الجريمة.
ولا يمكن ذكر "ملاكي إسكندرية" دون الإشادة بالموسيقى التصويرية التي ألفها الموسيقار الكبير ياسر عبد الرحمن، حيث شكلت المعزوفات الموسيقية بآلاتها الوترية الحادة والعميقة عنصرا دراميا مستقلا بحد ذاته، نجح في تصعيد التوتر النفسي لدى المشاهد مع كل لغز يواجهه البطل.
وبعد مرور 21 عاما، يبقى فيلم "ملاكي إسكندرية" نموذجا يدرس في كيفية تقديم سينما تجارية تحترم عقل المشاهد، وتصنع إثارة مبنية على حبكة متماسكة وصراع فكري لا يعتمد فقط على الحركة ، فهو العمل الذي فتح الباب على مصراعيه لسينما الغموض المصرية الحديثة، وما زال حتى اليوم يحتفظ ببريقة وجاذبيته عند إعادة عرضه على شاشات التلفزيون أو المنصات الرقمية.