الجلاء كما رأته الكاميرا.. أعمال فنية وثقت يوم رحيل الإنجليز عن مصر
لم تكن ذكرى جلاء القوات البريطانية عن مصر حدثًا سياسيًا عابرًا، بل تحولت إلى مادة ثرية استلهمتها السينما والدراما المصرية على مدار عقود، حيث تناولت الأعمال الفنية ثورة يوليو 1952 وما أعقبها من جلاء الإنجليز عام 1956، مرورًا بأحداث تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، من خلال قصص جسدت المقاومة الشعبية والبطولات الفدائية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد.
أفلام رصدت الكفاح الوطني
برزت مجموعة من الأفلام التي تناولت هذه المرحلة التاريخية بشكل مباشر أو غير مباشر، من بينها فيلم «بورسعيد» (1957) الذي وثق مقاومة أبناء المدينة للعدوان الثلاثي، وسلط الضوء على روح التحدي والصمود التي سادت الشارع المصري آنذاك.
كما قدم فيلم «ناصر 56» (1996) قراءة درامية لواحدة من أهم اللحظات السياسية في تاريخ مصر الحديث، متناولًا كواليس قرار تأميم قناة السويس وما تبعه من مواجهة مع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، في مرحلة جاءت تتويجًا لنجاح مصر في إنهاء الوجود العسكري البريطاني على أراضيها.
ومن الأعمال البارزة أيضًا فيلم «رد قلبي» (1957)، الذي رصد التحولات السياسية والاجتماعية التي سبقت ثورة يوليو، وعكس الأجواء التي مهدت لإنهاء الاحتلال وتغيير شكل المجتمع المصري.
في المقابل، تناول فيلم «يسقط الاستعمار» (1952) نشاط الفدائيين في منطقة القناة ومواجهاتهم مع القوات البريطانية، بينما سلط فيلم «في بيتنا رجل» (1961) الضوء على نضال الشباب المصري ضد الاحتلال والمتعاونين معه، مقدمًا صورة درامية لروح المقاومة التي سبقت الثورة.
الدراما التلفزيونية واستعادة الذاكرة الوطنية
على الشاشة الصغيرة، حضرت مرحلة الجلاء وما سبقها من أحداث في عدد من الأعمال الدرامية التي أعادت تقديم تلك الفترة للأجيال الجديدة.
ويأتي مسلسل «أوراق مصرية» في مقدمة هذه الأعمال، إذ رصد التطورات السياسية والاجتماعية في مصر منذ العقود الأخيرة من الحكم الملكي وحتى جلاء الإنجليز، مستعرضًا تأثير الأحداث الوطنية على حياة المواطنين.
كما تطرق مسلسل «أم كلثوم» (1999) إلى عدد من المحطات الوطنية الكبرى، ومنها أجواء الفرح الشعبي التي صاحبت تحقيق الجلاء، بينما تناول مسلسل «بنت أفندينا» (2004) انعكاسات الاحتلال البريطاني على المجتمع المصري وأشكال المقاومة التي شهدتها المدن والقرى.
أما مسلسل «العندليب.. حكاية شعب» (2006)، فقد استعرض المناخ الفني والوطني الذي واكب تلك المرحلة، مسلطًا الضوء على الأغاني الوطنية التي ارتبطت بأحداث الجلاء وحرب السويس وشكلت جزءًا من الوجدان المصري.
الوثائقيات تعيد قراءة الحدث
وفي السنوات الأخيرة، اتجهت الأعمال الوثائقية إلى إعادة استكشاف هذه المرحلة التاريخية. ومن أبرزها الفيلم الوثائقي «الجلاء» الذي عرضته قناة الوثائقية المصرية عام 2025، وضم مواد أرشيفية نادرة ووثائق تاريخية ولقطات تعرض للمرة الأولى، بينها النسخة الأصلية من اتفاقية الجلاء التي أنهت رسميًا الوجود العسكري البريطاني في مصر.
وتبقى هذه الأعمال، بمختلف أشكالها، شاهدًا فنيًا وتاريخيًا على واحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ مصر الحديث، ووسيلة للحفاظ على ذاكرة الكفاح الشعبي الذي مهد لاستعادة السيادة الوطنية الكاملة.: