الدعم النقدي بديلًا للخبز المدعم.. هل ينهي نزيف الـ35 مليار جنيه؟
لم يعد الحديث عن التحول إلى الدعم النقدي مجرد مقترح مطروح على طاولة الحكومة، بل أصبح أحد أبرز الملفات التي تقترب الدولة من حسمها، في إطار خطة تستهدف رفع كفاءة منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، دون المساس بحق المواطنين في الحصول على الخبز المدعم.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت المناقشات بشأن مستقبل منظومة الخبز، التي تعد واحدة من أكبر برامج الحماية الاجتماعية في مصر، حيث يستفيد منها نحو 68 مليون مواطن، بينما تتحمل الدولة عشرات المليارات من الجنيهات سنويًا لضمان استمرار وصول الرغيف بسعر مدعم.
من الرغيف إلى القيمة النقدية
الفكرة التي تعمل عليها الحكومة لا تقوم على إلغاء الخبز المدعم، وإنما على تحويل قيمة الدعم إلى صورة أكثر مرونة، تسمح للمواطن بالاختيار بين الحصول على حصته من الخبز أو توجيه جزء من قيمة الدعم إلى شراء سلع غذائية أخرى يحتاجها.
ووفقًا لتصريحات وزير التموين والتجارة الداخلية الدكتور شريف فاروق، فإن المنظومة المقترحة تعتمد على ما يمكن وصفه بـ"الدعم شبه النقدي"، حيث يحصل المواطن على قيمة مالية مرتبطة بحصته التموينية، ويمكنه استخدامها وفق احتياجاته الفعلية.
وبحسب التصور المطروح، تظل حصة الفرد عند 5 أرغفة يوميًا، أي ما يعادل نحو 150 رغيفًا شهريًا، لكن بدلاً من اقتصار الاستفادة على الخبز فقط، يصبح للمواطن الحق في تحويل ما يوفره من حصته إلى سلع غذائية أخرى مثل الزيت والسكر ومنتجات التموين المختلفة.
فاتورة ضخمة تتحملها الدولة
وتكشف الأرقام حجم العبء الذي تتحمله الموازنة العامة لدعم الخبز، إذ تبلغ مخصصات دعم الخبز خلال العام المالي 2025/2026 نحو 124 مليار جنيه، ضمن إجمالي يقترب من 160 مليار جنيه مخصصة لدعم السلع التموينية والخبز.
وتأتي هذه الأرقام في ظل ارتفاع تكلفة إنتاج الرغيف إلى ما يتراوح بين 150 و162 قرشًا للرغيف الواحد بعد زيادة تكاليف التشغيل والطاقة، بينما لا يزال المواطن يحصل عليه مقابل 20 قرشًا فقط، ما يعني أن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من التكلفة.
ويصل إنتاج الخبز المدعم يوميًا إلى ما بين 250 و270 مليون رغيف، وهو ما يجعل المنظومة واحدة من أكبر برامج الدعم الغذائي في المنطقة.
أين يذهب الدعم؟
ورغم ضخامة المبالغ المخصصة للمنظومة، فإن الحكومة ترى أن جزءًا من هذه الأموال لا يصل إلى مستحقيه بصورة كاملة.
وكان رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي قد أشار إلى وجود نسبة تسرب لا تقل عن 25% داخل منظومة الخبز، وهو ما يعادل نحو 35 مليار جنيه سنويًا وفق التقديرات الرسمية.
وتتنوع صور هذا التسرب بين تهريب الدقيق، واستغلال بعض الحصص بصورة غير مشروعة، بالإضافة إلى مظاهر الهدر المختلفة التي تراكمت على مدار سنوات طويلة.
ومن هنا ترى الحكومة أن التحول إلى الدعم النقدي أو شبه النقدي يمكن أن يحد بشكل كبير من هذه الفجوات، ويضمن توجيه الموارد بصورة أكثر دقة إلى الفئات المستحقة.

ماذا سيحصل المواطن؟
في النموذج الجديد، لن يكون المواطن مقيدًا بالحصول على كامل حصته من الخبز إذا لم يكن في حاجة إليها.
فإذا كانت القيمة التقديرية لحصة الفرد اليومية تصل إلى نحو 7.5 جنيهات، أي ما يقارب 225 جنيهًا شهريًا، فإن الأسرة المكونة من أربعة أفراد قد تصل قيمة الدعم المرتبط بالخبز لديها إلى نحو 900 جنيه شهريًا، يمكن الاستفادة منها بصورة أكثر مرونة داخل المنظومة التموينية.
ويرى مؤيدو الفكرة أن هذا التحول يمنح الأسر حرية أكبر في إدارة احتياجاتها الغذائية، ويقلل من الهدر الناتج عن صرف كميات خبز لا يتم استهلاكها بالكامل.
المخابز.. هل تتأثر؟
من جانبها، تؤكد شعبة المخابز أن المخابز البلدية ستظل جزءًا أساسيًا من المنظومة الجديدة، وأن الدولة ستستمر في تحمل فروق التكلفة وسداد مستحقات أصحاب المخابز إلكترونيًا.
ويشير مسؤولو الشعبة إلى أن نحو 30 ألف مخبز مدعم تعمل حاليًا داخل المنظومة، وأن البنية التكنولوجية أصبحت أكثر جاهزية للتعامل مع أي تطوير مستقبلي في آليات الدعم.
التحدي الأكبر.. التضخم
ورغم المزايا التي يتحدث عنها مؤيدو التحول إلى الدعم النقدي، فإن هناك تساؤلات مشروعة يطرحها خبراء الاقتصاد والمتابعون.
أبرز هذه التساؤلات يتعلق بقدرة القيمة النقدية على الحفاظ على قوتها الشرائية في ظل معدلات التضخم وتقلبات الأسعار، وهو ما يتطلب مراجعة دورية لقيم الدعم حتى لا تتآكل بمرور الوقت.
كما تبرز تحديات أخرى مرتبطة بدقة قواعد البيانات، وضمان عدم استبعاد مستحقين فعليين من المنظومة، إلى جانب ضرورة رفع الوعي المجتمعي بكيفية التعامل مع النظام الجديد.
بين الكفاءة والحماية الاجتماعية
في النهاية، يبدو أن الدولة تسعى إلى تحقيق معادلة صعبة تجمع بين ترشيد الإنفاق العام والحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين.
فالتحول إلى الدعم النقدي قد يفتح الباب أمام تقليل الهدر والتسرب الذي تقدر قيمته بعشرات المليارات من الجنيهات سنويًا، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تنفيذ تدريجي ومدروس، مع وجود آليات واضحة لمراجعة قيمة الدعم ومواكبة تغيرات الأسعار.
وبينما تؤكد الحكومة أن الهدف ليس تقليص الدعم وإنما رفع كفاءته، يبقى نجاح التجربة مرهونًا بقدرتها على ضمان وصول كل جنيه إلى مستحقيه الحقيقيين، دون أن يشعر المواطن بأن حقه في الدعم قد تراجع أو فقد جزءًا من قيمته.