الحريف.. أبو كف.. العالمي|هكذا وثقت الشاشة المصرية عشق الساحرة المستديرة
لم تكن كرة القدم في مصر يوماً مجرد لعبة، بل هي نبض الشارع، ومحرك رئيسي لملامح البهجة والحزن في حياة الملايين. هذا العشق الجارف والديناميكية الفريدة التي تحرك الجماهير، ألهمت صناع الفن السابع والدراما التلفزيونية في مصر عبر العقود. فاستخدمت الشاشة الفضية والدراما لغة بصرية وسردية مميزة، نجحت من خلالها في تحويل "المستطيل الأخضر" وكواليسه إلى مرايا إنسانية تعكس أحلام وطموحات المجتمع المصري. في هذا التقرير، نستعرض كيف نجحت السينما والدراما المصرية في تجسيد هذا الشغف من خلال محطات فنية خالدة.
الساحات الشعبية وهدم الفوارق الطبقية
في صدارة الأعمال التي أرّخت لشغف الشارع بالكرة، يأتي فيلم "الحريف" (1984) للمخرج محمد خان والنجم عادل إمام. هذا العمل لم يلتفت للأندية الكبرى والأضواء الشهرة، بل غاص في عالم "الكرة الشراب" بالساحات الشعبية، حيث جسد شخصية "فارس" الذي يرى في كرة القدم ملاذه الأخير للهروب من قسوة واقعة الاجتماعي، ليصبح الفيلم وثيقة سينمائية عن حب اللعبة لذاتها.
وعلى الجانب الكوميدي، قدم فيلم "غريب في بيتي" (1982) زاوية مغايرة من خلال رحلة صعود الشاب الريفي "شحاتة أفندي أبو كف" (نور الشريف) ليصبح نجم نادي الزمالك، مبرزاً كواليس النجومية المفاجئة، وضغوط الشهرة، وكيف تملك حب الساحرة المستديرة من وجدان الجماهير بمختلف فئاتهم.
أحلام الاحتراف والوصول للعالمية
مع تحول كرة القدم إلى صناعة كبرى، واكبت السينما هذا التطور بإنتاجات عصرية ركزت على حلم الاحتراف الخارجي. ويبرز هنا فيلم "العالمي" (2009) للفنان يوسف الشريف، والذي قدم محاكاة سينمائية لرحلة صعود لاعب مصري من الملاعب المحلية إلى الاحتراف في الدوري الإسباني، حاملاً على عاتقه حلم الملايين بالوصول إلى كأس العالم. ركز الفيلم على التضحيات والإنتاج البصري القوي لمشاعر الضغط النفسي والانتماء الوطني خلف الشاشة.
وفي إطار درامي شبابي، تناول مسلسل "كابتن أنوش" (2017) هذا الشغف بشكل مبهج عبر الشاشة الصغيرة، مسلطاً الضوء على هوس التدريب، واكتشاف المواهبي في الأحياء الشعبية، وكيف يظل حلم المستطيل الأخضر حياً داخل قلوب المعتزلين والمشجعين على حد سواء.
الشغف كمرآة للمجتمع
ولم تغفل الشاشة المصرية توظيف هذا الشغف لخدمة قضايا اجتماعية أعمق؛ ففي فيلم "رجل فقد عقله" (1980)، امتزجت تفاصيل اللعبة بروح الكوميديا والدفاع عن الترابط الأسري من خلال نجومية الشقيقين "زيزو" (عادل إمام) و"توني" (إكرامي) في النادي الأهلي، مما عكس المكانة الاجتماعية المرموقة التي بات يتمتع بها لاعبو كرة القدم في الوجدان الشعبي.
إن تتبع هذه الأعمال يؤكد أن السينما والدراما المصرية لم يقفا عند حدود رصد 90 دقيقة من المنافسة، بل نجحا في صياغة تقارير بصرية حية تنبض بحكايات إنسانية استثنائية، مخلدةً كرة القدم كرمز للأمل، والتحدي، وأقصر الطرق للوصول إلى قلوب المصريين.