على أنغام لاتينية.. كولومبيا ترقص في الشوارع بمهرجان التانجو
ترفع مدينة مديلين الكولومبية وتيرة استعداداتها للاحتفاء باليوبيل البلاتيني لانطلاق مهرجان التانجو الدولي، ويأتي مهرجان هذا العام بطموح رسمي يسعى لتكريس هذا الحدث ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للمقاطعة، مما يرسخ مكانة عاصمة إقليم أنتيوكيا كأحد أبرز حواضر التانغو في أمريكا اللاتينية.
وتشهد النسخة العشرون من المهرجان تنظيم أكثر من 40 نشاطاً وفعالية مجانية، تتنوع بين بطولات الرقص، ومسابقات الغناء، والأمسيات التكريمية، وحلقات رقص "الميلونجا" التقليدية.

وسيشكل هذا المحفل الثقافي ملتقىً لثلة من المبدعين المحليين والوطنيين إلى جانب ضيوف دوليين، لا سيما من الأرجنتين؛ المهد الأول لموسيقى التانغو.
أجندة الشغف ونغمات الأنديز
وعلى مدار أسبوع كامل، تتحول الصروح الثقافية والأماكن الأيقونية في المدينة، مثل "مسرح بابلو توبون أوريبي"، و"المسرح المتروبوليتاني"، و"ساحة جارديل"، إلى مسارح مفتوحة تنبض بثقافة التانغو. ومن بين أكثر الفعاليات ترقباً، تبرز بطولة الرقص والمسابقة الغنائية اللتان تُقامان، وتضمان فئات تنافسية مخصصة للشباب والبالغين على حد سواء.
ومن المحطات البارزة في هذه النسخة، الأمسية الاحتفالية التكريمية التي يستضيفها المسرح المتروبوليتاني اليوم، 9 يونيو، بمشاركة أوركسترا مديلين الفيلهارمونية ونخبة من النجوم الدوليين؛ أمثال إيميليانو جريكو، ونيكولاس إنريتش، ومارسيلو توماسي.

وفي السياق ذاته، ستجمع "ميلونجا المهرجان الكبرى" مئات العشاق والهواة على وقع المعزوفات الحية لفرقة "بابلو فايي سيكستيت".
كما سيحتضن حي "مانريكي"، العريق بإنتاجه وتاريخه الحافل مع التانغو، فعالية "تانجوفيا" (Tangovía) في 12 يونيو، وهو احتفال شعبي يحتفي بالرقص والموسيقى في قلب الشوارع المفتوحة.
ويختتم المهرجان فعالياته في ساحة "غارديل" بحفل أوركسترالي ضخم تحييه أوركسترا التانغو التابعة لشبكة المدارس الموسيقية في مديلين.
التانجو: هوية حية وذاكرة مدينة
بعيداً عن الأجندة الفنية الحافلة، يأتي المهرجان ليعيد تأكيد الروابط الوجدانية العميقة التي تجمع مديلين بموسيقى التانغو؛ وهي علاقة تعود جذورها إلى مطلع القرن العشرين، وتوطدت أركانها مأساوياً بعد الرحيل المفجع لـ "كارلوس جارديل" عام 1935 – الذي يُلقب بملك التانجو – إثر تحطم طائرته في مطار “أولايا هيريرا”، وشكل هذا الحادث نقطة تحول محورية في التاريخ الثقافي للمدينة، جعلت من مديلين مرجعاً عالمياً لهذا الفن الإنساني.

واليوم، يمثل التانجو جزءاً لا يتجزأ من الهوية البصرية والروحية لمديلين؛ إذ تعمل فضاءات مثل "كاسا جارديلانيا" (بيت غارديل) في حي مانريكي، ومقهى "صالون مالاغا" التقليدي – الذي يُعد بمثابة "متحف حي" للتانغو – على إبقاء هذه الجذوة متقدة، ونقل هذا الإرث عبر الأجيال.
وفي إطار هذه الاحتفالات، تقود عمدة مديلين حراكاً لترشيح التانجو لإدراجه رسمياً كـ "تراث ثقافي غير مادي للمقاطعة"، وهي خطوة استراتيجية تهدف إلى ضمان صون هذا الموروث وحمايته قانونياً.
ولا تتوقف مفاعيل المهرجان عند الأبعاد الثقافية فحسب، بل تمتد لتنعش الاقتصاد المحلي؛ إذ تتأهب المدينة لاستقبال تدفقات سياحية هامة من الزوار المحليين والأجانب، مما يدعم قطاع السياحة الضيافة.
وعلاوة على ذلك، تسهم الأنشطة التعليمية والورش المصاحبة للمهرجان في تعريف الأجيال الناشئة بهذا النوع الموسيقي، بما يضمن استدامة إرثه الإنساني.
ومع اكتمال عقدين من الزمان على تأسيسه، لا يقتصر مهرجان التانجو الدولي على الاحتفال بيوبيله الخاص، بل يبرهن مجدداً على أن مديلين حاضنة حقيقية للفن؛ حاضنة لا يمثل التانجو فيها مجرد موسيقى عابرة، بل هو ذاكرة، وهوية، ولغة ثقافية متجددة تتحدى الزمن.