بسبب الحرب الإيرانية.. كيف نجحت النرويج في ابتزاز جيرانها؟
كشفت صحيفة “إلباييس” الإسبانية، أنه ساسة الطاقة للنرويج تتضمن مفارقة صارخة؛ فهي دولة "خضراء" بامتياز داخل حدودها، ونجحت في تحقيق أعلى معدل لاعتماد السيارات الكهربائية في العالم، حيث تسير 9 من كل عشر سيارات تباع اليوم في البلاد بالبطاريات دون أي انبعاثات كربونية.
وأكدت الصحيفة الإسبانية، أنه من خارج حدودها، فتظل النرويج اقتصادًا يعتمد بشكل مفرط على الوقود الأحفوري، إذ تشكل صادرات الغاز الطبيعي والنفط أكثر من 90% من إجمالي صادراتها، وهو رقم شهد نموًا قويًا بفعل قفزات الأسعار الناتجة عن حربي أوكرانيا وإيران.
أرباح من جسد الحرب

وواجهت النرويج، وهي الفاعل الرئيسي في الوساطة وحل النزاعات الدولية، انتقادات لاذعة من عواصم أوروبية مختلفة بسبب الأرباح الطائلة التي جنتها من تداعيات الحروب في أوكرانيا وإيران.
فبعدد سكان لا يتجاوز 5.5 مليون نسمة، وامتلاكها لأكبر صندوق سيادي في العالم (يدير 1.85 تريليون يورو)، حققت النرويج بين عامي 2022 و2023 إيرادات إضافية ناهزت 120 مليار يورو من مبيعات النفط لشركائها الأوروبيين عقب العقوبات المفروضة على روسيا، وفقًا لبيانات مجموعة "نورديا".
كما تقدر المجموعة المالية ذاتها الأرباح الاستثنائية التي حققتها أوسلو في الأشهر الأخيرة جراء إغلاق مضيق هرمز بنحو 8 مليارات يورو على الأقل. وعلاوة على ذلك، وأمام الارتفاع المتواصل لأسعار النفط، سجلت بورصة أوسلو مستويات قياسية تاريخية خلال هذا الربيع.
الدعم الاقتصادي النرويجي لكييف

وفي بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الدعم الاقتصادي النرويجي لكييف أقل مما قدمته السويد أو الدنمارك أو دول البلطيق، وبعد موجة من الانتقادات، رفعت أوسلو بشكل ملحوظ مساعداتها العسكرية والمالية، وإن كان هذا الدعم لا يزال يمثل نسبة من ناتجها المحلي الإجمالي أقل مما تبرعت به دول مثل إستونيا أو ليتوانيا، بحسب معهد كيل للاقتصاد العالمي.
وكان ينس ستولتنبرغ، الأمين العام السابق لحلف الناتو ووزير الاقتصاد النرويجي الحالي، قد صرح في أبريل الماضي بأنه يتعين على المواطنين قبول هذه "المفارقة" المتمثلة في تحقيق إيرادات ضخمة وقت الحروب، مؤكدًا أن مصلحة النرويج "تكمن دائمًا في السلام".
غير أن الصحفية سيسيلي لانجوم بيكر ردت على هذا الطرح في مقال نشرته شبكة "NRK" الإذاعية والتلفزيونية الحكومية، حيث كتبت بوضوح: "الواقع المرير هو أنه عندما يشتعل العالم، ينتهي الأمر بالأموال في خزائن الدولة".
لم يكن الاتحاد الأوروبي ليتمكن من تجاوز أزمتي الطاقة اللتين ضربتاه خلال أقل من خمس سنوات بالقدر نفسه من السهولة، لولا إمدادات النفط والغاز القادمة من النرويج.
ضغوط بسبب القطب الشمالي؟

فمع اندلاع حربين متتاليتين، الأولى في أوكرانيا والثانية في الشرق الأوسط، تحولت النرويج، أكبر مخزن للوقود الأحفوري في أوروبا، إلى شريان حيوي لأمن الطاقة في القارة، وأسهمت في تأمين الإمدادات خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما وضعت أزمات النفط الناتجة عن سياسات "أوبك" والثورة الإيرانية الغرب أمام تحديات غير مسبوقة.
واليوم، وفي ظل امتلاكها هذه الورقة الاستراتيجية، تسعى أوسلو إلى توظيف موقعها كمورد رئيسي للطاقة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية إضافية.
وخلال الأيام الماضية، كثفت الحكومة النرويجية ضغوطها على دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، مطالبةً بإعادة النظر في القيود المفروضة على عمليات التنقيب واستخراج النفط والغاز في منطقة القطب الشمالي (الآركتيك)، التي تضم نحو ثلثي احتياطيات البلاد من الهيدروكربونات.
ويأتي هذا التحرك في توقيت محسوب، إذ يستعد الاتحاد الأوروبي، عقب انتهاء فصل الصيف، لإعلان ملامح سياسته الجديدة تجاه المنطقة القطبية الشمالية، التي تكتسب أهمية متزايدة بفضل ثرواتها الطبيعية وموقعها الجيوسياسي، في ظل تنافس القوى الكبرى على تعزيز نفوذها هناك.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية النرويجي، إسبن بارث إيدي، في تصريحات حديثة لوكالة بلومبرغ، أن «لا مبررات مناخية تدعو إلى التعامل مع النفط والغاز المستخرجين شمال خط جغرافي معين بصورة مختلفة عن الموارد المستخرجة جنوبه».



