رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وزارة الأوقاف: ماء زمزم ليس للشفاء فقط بل رمزٌ لليقين والاستقامة

شرب ماء زمزم
شرب ماء زمزم

قالت وزارة الأوقاف، إن رحلة الحج المباركة بوصفها أعظم تظاهرة روحية لتهذيب النفس الإنسانية وصياغتها صياغةً قيمية، تنعكس آثارها في واقع الحياة؛ فهل يعي الحاج أن جوهر رحلته يكمن في البناء السلوكي المستدام، لا في مجرد العادات والمظاهر المادية؟ 

وأضافت وزارة الأوقاف، في تقرير لها عن ماء زمزم، أن ماء زمزم في المنظور الإسلامي ليس مجرد سائلٍ لقطع الظمأ أو لنيل الشفاء العضوي فقط، بل هو رمزٌ لتدفق اليقين في صحراء القلوب الجافة؛ إنَّه يعيدنا، بالمعنى المعرفي والروحي، إلى لحظة الامتثال المطلق لرب العالمين، يوم أن تركت أمُّنا هاجر وليدها في وادٍ غير ذي زرع، مستندةً إلى ركنٍ شديد: "آللَّهُ الذي أمَرَكَ بهذا؟ قال: نَعَم، قالت: إذَن لا يُضَيِّعُنا".

وأوضحت أن أولى الهدايا التي يتعين على الحاج أن يستصحبها معه لتبدو عيانًا على مسلكه هي هداية اليقين وحسن التوكل. إنَّ الارتواء من زمزم يفرض على الحاج ارتواءً قيميًّا يترجم عقيدته إلى سلوكٍ حيّ، فيعود إلى مجتمعه وقد تخلَّص من شُحِّ النفس والهلع على الرزق، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌بَٰلِغُ ‌أَمۡرِهِۦۚ﴾ ويقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ». 

الغاية من الحج هي التقوى

وأشارت إلى أن هذه النصوص النبوية الشريفة تضعنا أمام مسؤولية فكرية وسلوكية؛ فإذا كان القاصدون يشربونه بنية الشفاء والبركة، فإنَّ الواجب يفرض على الحاج أن يشربه وينير به نفسه بنية تطهير الباطن من غوائل الغل والحسد والضغينة والبغضاء؛ لأن الغاية من الحج هي التقوى التي تطهِّر القلوب، قال تعالى: ﴿‌ٱلۡحَجُّ ‌أَشۡهُرࣱ مَّعۡلُومَٰتࣱۚ فَمَن فَرَضَ فِیهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ یَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. 

وذكرت وزارة الأوقاف، أن أواني زمزم التي تدخل بيوتنا مع عودة الحجاج يجب أن تتحول إلى مذكِّرات بصرية وروحية دائمة، تذكِّرنا بأن النفس التي تجردت في الميقات، وتضرعت في عرفات، لا يصح لها عقلًا ولا شرعًا أن تنكص على عقبيها فتلوِّث طهرها بآثام المعاصي والمشاحنات، أو ببذر شقاق الخلاف في المجتمع، حذرًا من الوقوع في مغبة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِی ‌نَقَضَتۡ ‌غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثࣰا﴾ [النحل: ٩٢]. 

وتابعت: فيا أيها الحاج المبارك، اجعل لسان حالك وفِعالك وأنت تهدي أحبابك من ماء زمزم الاستقامة، مستصحبًا قول الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَ﴾ [هود: ١١٢]، ونادِ في أهلك: لقد جئتكم بقلبٍ صقلته الطاعات، ونفسٍ هداها رب الأرض والسماوات؛ فاقبلوا مني هداية استقامتي وبذلي في المجتمع، قبل أن تنظروا إلى ما تحمله حقائبي من متاع. وأضافت أن الهدية المادية يفنيها الزمان، أما هداية السلوك والاستقامة فهي الأثر الباقي الذي يمتد نوره ليضيء حاضر الأمة ومستقبلها، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا ‌ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: ١٧]. 

وأكدت وزارة الأوقاف، أن غاية العبادات في الإسلام تكمن في إحداث نقلةٍ سلوكية تنعكس على واقع الأمة، وإنَّ بركة ماء زمزم التي يستصحبها الحجاج لا تكتمل في نفوسهم وحقائبهم إلا إذا تحولت إلى عهدٍ وثيق يعيد صياغة المعاملات الإنسانية على قيم الاستقامة والبذل والعدل؛ وبذلك ينتقل الحج من مجرد رحلة مناسك ومظاهر مادية عابرة إلى مشروع بناءٍ حضاري يرتوي منه المجتمع خُلقًا ونفعًا ممتدًّا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء