من "هنا القاهرة" بدأت الحكاية.. ذكرى انطلاق الإذاعة المصرية
في مثل هذا عام 1934، شهدت مصر واحدة من أبرز المحطات في تاريخها الإعلامي والثقافي، مع انطلاق البث الرسمي للإذاعة المصرية، التي دشنت مرحلة جديدة في مسيرة الاتصال الجماهيري ونقل المعرفة والفنون إلى ملايين المستمعين، ومنذ اللحظات الأولى للبث، ارتبطت الإذاعة بالعبارة الشهيرة "هنا القاهرة"، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر العبارات في تاريخ الإعلام العربي، وعلامة فارقة في ذاكرة أجيال متعاقبة من المستمعين.
البدايات الأولى
جاء تأسيس الإذاعة المصرية بعد سنوات من التجارب الإذاعية الأهلية التي عرفتها مصر خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث ظهرت محطات صغيرة ذات طابع تجاري اعتمدت على بث الأغاني والإعلانات والرسائل الموجهة للجمهور، ومع تزايد تأثير هذا الوسيط الجديد واتساع قاعدة مستمعيه، اتجهت الدولة إلى تنظيم العمل الإذاعي وتأسيس إذاعة رسمية تقدم محتوى أكثر انتظامًا وتنوعًا، يعكس الهوية الثقافية المصرية ويخاطب مختلف فئات المجتمع.
صندوق سحري
مثل الراديو في ذلك الوقت وسيلة استثنائية للتواصل مع الجمهور، إذ أتاح للمصريين متابعة الأخبار والتلاوات القرآنية والحفلات الغنائية والبرامج الثقافية من داخل منازلهم، وبالنسبة للكثيرين، بدا الراديو وكأنه صندوق سحري يحمل الأصوات من أماكن بعيدة إلى البيوت مباشرة، الأمر الذي ساهم في تحويله إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، وربط الجمهور بصورة أكبر بالفن والثقافة والمعرفة.
أول بث رسمي
تشير المصادر التاريخية إلى أن أول بث رسمي للإذاعة المصرية بدأ بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، أحد أبرز قراء القرآن الكريم في القرن العشرين، قبل أن تتوالى الفقرات الفنية والثقافية التي شارك فيها عدد من كبار رموز الفن المصري، وشهد يوم الافتتاح مشاركة كوكب الشرق أم كلثوم، إلى جانب الموسيقار محمد عبد الوهاب والمطرب صالح عبد الحي، كما تضمن البرنامج قصائد شعرية وفقرات موسيقية متنوعة، في رسالة مبكرة أكدت أن الإذاعة ستكون منبرًا يجمع مختلف ألوان الإبداع المصري.
هنا القاهرة
ويرتبط افتتاح الإذاعة المصرية باسم الإذاعي أحمد سالم، الذي تنسب إليه العبارة الشهيرة "هنا القاهرة"، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى هوية صوتية للإذاعة المصرية ورمز من رموز الإعلام العربي، وظلت هذه الكلمات الثلاث حاضرة في ذاكرة المستمعين لعقود طويلة، وأصبحت مرتبطة بأهم الأحداث والبرامج والأعمال الفنية التي بثتها الإذاعة على مدار تاريخها.
دور ثقافي
على مدار العقود التالية، لعبت الإذاعة المصرية دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي، وأسهمت في نشر الأدب والموسيقى والفنون والبرامج التعليمية، كما قدمت أصواتًا أصبحت لاحقًا من أبرز رموز الإعلام والثقافة في مصر والعالم العربي، وبفضل انتشارها الواسع، تحولت إلى منصة مؤثرة ساهمت في تقريب الثقافة من الجمهور، وجعلت المعرفة والفن جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.