الإعلام الإقليمي في مصر.. من ريادة الماضي إلى تحديات الحاضر
قبل سنوات طويلة من ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الخاصة وانتشار أطباق الدش في البيوت المصرية، كانت الإذاعات المحلية والقنوات التليفزيونية الإقليمية هي الصوت الأقرب إلى المواطنين؛ تنقل إليهم أخبار الشارع، وحالة البحر، وتحذيرات شركات المياه والكهرباء، إلى جانب شكاوى الناس وأفراحهم، وتعكس عادات وتقاليد كل منطقة.
ولم تكن تلك الوسائل مجرد نشرات أخبار، بل مثلت وسيلة تواصل يومية تقدم الخدمات والإرشادات للمواطنين، وتتحدث بلهجة كل محافظة، ما جعلها جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة داخل البيت المصري.
ورغم تغير المشهد الإعلامي اليوم، ما زالت الإذاعات المحلية والقنوات الإقليمية تحتفظ بمكانة خاصة في ذاكرة الجمهور، الذي يستعيد من خلالها ذكريات جميلة وأصوات إعلاميين تركوا بصمة لا تُنسى في وجدان المصريين.
من الشيخ محمد رفعت إلى "هنا القاهرة"
تعد الإذاعة المصرية واحدة من أقدم الإذاعات في المنطقة العربية، وارتبطت عبر تاريخها الطويل بوجدان أجيال عديدة من المصريين.
وبدأت رحلة الإذاعة المصرية من قلب القاهرة في 31 مايو عام 1934، في تمام الساعة الخامسة والنصف مساءً، بصوت الشيخ محمد رفعت وهو يتلو آيات من القرآن الكريم، لتخرج بعدها العبارة الشهيرة “هنا القاهرة”، التي أطلقها الإعلامي والكاتب أحمد سالم خلال افتتاح البث الرسمي للإذاعة المصرية، لتصبح علامة فارقة في تاريخ الإعلام المصري، ويرتبط بها لاحقًا عيد الإعلاميين في مصر.
الإذاعة والسياسة
لعبت الإذاعة المصرية دورًا بارزًا في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للمصريين، وكانت شاهدة على أحداث تاريخية كبرى.
شهدت الإذاعة المصرية إذاعة أول بيان لثورة يوليو صباح 23 يوليو 1952، بصوت الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لتتحول بعدها إلى منصة رئيسية لتلقي برقيات التأييد الشعبية للثورة.
أدت الإذاعة دورًا محوريًا في نقل خطاب الرئيس جمال عبد الناصر عقب محاولة اغتياله في المنشية، ما ساهم في وصول صوته سريعًا إلى الجماهير وتعزيز حالة الالتفاف الشعبي حوله.
كانت الإذاعة الوسيلة الأهم لنقل خطاب تأميم قناة السويس إلى الشعب المصري والعالم العربي، وأسهمت في نشر حالة الحماس والدعم الشعبي للقرار.
خلال العدوان الثلاثي، استخدمت الإذاعة كأداة للمقاومة المعنوية، عبر بث البيانات الوطنية والأخبار التي شجعت المواطنين على الصمود ومواجهة الاحتلال.
كما لعبت إذاعة “صوت العرب” دورًا مهمًا في التعبئة المعنوية وبث الرسائل القومية خلال حرب 1967، رغم تعرضها لاحقًا لانتقادات بسبب إذاعة بيانات غير دقيقة عن سير المعارك.
صوت المحافظات
أبو سعدة: نحن الذراع الإعلامي للدولة وننقل إحساس المواطن
قال محمد أبو سعدة، رئيس القناة الخامسة بالإسكندرية، إن القنوات الإقليمية تمثل حلقة وصل مباشرة بين المواطن والمسؤول، من خلال نقل احتياجات المواطنين ومشكلاتهم، إلى جانب إبراز جهود الدولة والمشروعات القومية داخل المحافظات.

وأضاف أن القناة الخامسة تغطي نطاقًا جغرافيًا واسعًا يمتد من الإسكندرية والبحيرة حتى مطروح، وتهتم بمتابعة ما يهم المواطن في حياته اليومية، سواء عبر تغطية الخدمات أو توفير السلع والمبادرات المختلفة، مشيرًا إلى أن القنوات الإقليمية تحاول مواكبة التطور الرقمي من خلال الترويج لبرامجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم محتوى أكثر جذبًا للجمهور.
وأكد أبو سعدة أن مستقبل القنوات الإقليمية يرتبط بقدرتها على التحول إلى منصات إعلامية حديثة متعددة الوسائط.
عبد المعطي: القنوات الإقليمية ما زالت تمتلك المصداقية
من جانبه، قال محمد عبد المعطي، رئيس قناة القنال والقناة الرابعة، إن القنوات الإقليمية لعبت دورًا مهمًا في نقل قضايا المواطنين والتعبير عن واقع المحافظات، موضحًا أنها كانت تمثل حلقة وصل مباشرة بين المواطن والمسؤول من خلال متابعة مشكلات الخدمات والقضايا الجماهيرية والتواجد الميداني المستمر داخل الشارع.

وأضاف أن القنوات الإقليمية، رغم المنافسة القوية من وسائل التواصل الاجتماعي، ما زالت تمتلك ميزة القرب من المجتمع المحلي والمصداقية، مؤكدًا أن مستقبلها يرتبط بقدرتها على التطور الرقمي ومواكبة المنصات الحديثة، مع الحفاظ على دورها باعتبارها “صوت المحافظات” داخل الإعلام المصري.
التحول الرقمي وتحديات الحاضر
طه نجم: الإعلام أصبح عالميًا ولم يعد مرتبطًا بإقليم محدد
قال الدكتور طه نجم، أستاذ ورئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، إن القنوات الإقليمية لعبت في الماضي دورًا مهمًا في معالجة قضايا المجتمع المحلي، مشيرًا إلى أن بعض القنوات كان لها تأثير واضح خلال الأزمات، مثل دور القناة الثالثة أثناء زلزال القاهرة، إلى جانب اهتمام القنوات الإقليمية بقضايا الفلاحين والمزارعين ومشكلات المحافظات المختلفة وفقًا لطبيعة كل مجتمع.

وأضاف أن الإعلام الإقليمي كان يعكس خصوصية كل محافظة، إلا أن المشهد الإعلامي تغيّر بشكل كبير مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن الإعلام أصبح “عالميًا” ولم يعد مرتبطًا بإقليم محدد كما كان في السابق.
وأوضح أن تطور الإعلام الرقمي فرض مراجعات واسعة في مناهج الإعلام، مع تراجع مفهوم “الإعلام الإقليمي” بالشكل التقليدي، مؤكدًا أن المؤسسات الإعلامية أصبحت مطالبة بالتطوير ومواكبة العصر الرقمي.
ذاكرة الإذاعة وصوت الشارع
نادية نصر الدين: العمل كان قائمًا على روح الفريق رغم ضعف الإمكانيات
قالت نادية نصر الدين، مدير الإعداد والتنفيذ والاتصالات وكبير المراسلين باتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري، إن العمل داخل القنوات الإقليمية في بداياتها كان قائمًا على روح الفريق والحماس رغم ضعف الإمكانيات، موضحة أن الجميع كان يعمل بروح واحدة لخدمة المجتمع ونقل مشكلات المواطنين.

وأضافت أن القناة الخامسة كانت تغطي محافظات الإسكندرية والبحيرة ومطروح، وتهتم بالقضايا التنموية والخدمية من خلال التواجد المستمر في الشارع ومرافقة المسؤولين خلال الجولات والافتتاحات، مؤكدة أن القنوات الإقليمية لعبت دورًا مهمًا في نقل شكاوى المواطنين والتواصل مع المسؤولين.
مجدي فكري: "هنا الإسكندرية" ما زالت تحمل بريقها الخاص
وقال مجدي فكري، كبير المذيعين بإذاعة الإسكندرية، إن الإذاعة المصرية تُعد من أقدم الإذاعات في المنطقة العربية، وقد لعبت منذ نشأتها عام 1934 دورًا مهمًا في بناء الوعي والثقافة لدى المواطنين، إلى جانب مساهمتها في دعم المجتمع خلال الأزمات عبر البرامج والنشرات والمسلسلات الإذاعية.

وأضاف أن الإذاعات الإقليمية، وفي مقدمتها إذاعة الإسكندرية، كانت تتمتع بخصوصية كبيرة في التواصل مع الجمهور المحلي، حيث ارتبط بها المواطن السكندري من خلال برامج تعكس مشكلاته اليومية وتكتشف المواهب وتناقش قضايا الشارع، مشيرًا إلى أن عبارة “هنا الإسكندرية” ما زالت تحمل بريقًا خاصًا لدى المستمعين حتى اليوم، رغم تغير المشهد الإعلامي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن أبرز البرامج التي قدمتها إذاعة الإسكندرية برنامج “من النافذة”، الذي ارتبط باسم الإذاعي الراحل حافظ عبد الوهاب، إلى جانب برنامج “64225” للإذاعي جمال توكل، وهو برنامج جماهيري كان يفتح خطوط التواصل مع المواطنين ويناقش مشكلاتهم مباشرة مع المسؤولين على الهواء.
كما قدمت الإذاعة برنامج “فكر واكسب”، الذي اعتمد على التفاعل الجماهيري، حيث كانت تُسجل حلقاته من داخل الجامعات والأندية، في إطار تعزيز التواصل المباشر مع مختلف فئات المجتمع.
تحديات التطوير
ويبقى الإعلام الإقليمي جزءًا مهمًا من ذاكرة الإعلام المصري، فيما تواصل القنوات الإقليمية محاولاتها للحفاظ على دورها عبر تطوير محتواها ومواكبة التغيرات الحديثة، رغم التحديات المتسارعة التي فرضها الإعلام الرقمي.
ورغم تغير الأدوات والمنصات، ما زالت تلك القنوات تحتفظ بمكانتها باعتبارها حلقة وصل بين المواطن والدولة، تجمع بين القرب من الشارع والمصداقية في نقل الواقع.