410 مليار صافي الأصول ..
صناديق الذهب والعقارات والأسهم تتوسع بقوة.. وخبراء يوضحون المخاطر والعوائد
أثار التوسع الكبير في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي وصناديق الاستثمار داخل مصر حالة من الجدل خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتفاع العوائد الاستثمارية وتوسع قاعدة العملاء، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل حول إمكانية تكرار تجارب قديمة مثل تجربة “الريان” التي انتهت بخسائر ضخمة للمدخرين في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن خبراء الاقتصاد يؤكدون وجود اختلافات جوهرية بين طبيعة الكيانات المالية الحالية وتلك التجارب غير المنظمة التي ظهرت سابقًا خارج الإطار الرقابي الرسمي.
نمو التمويل الاستهلاكي
وخلال السنوات الأخيرة، شهد قطاع التمويل غير المصرفي في مصر نموًا ملحوظًا، سواء عبر شركات التمويل الاستهلاكي التي توسعت في تقديم خدمات التقسيط والشراء الإلكتروني، أو من خلال صناديق الاستثمار التي جذبت شريحة واسعة من المواطنين الباحثين عن أدوات ادخارية واستثمارية متنوعة، في ظل التطور الرقمي وزيادة الاعتماد على التطبيقات والمنصات الإلكترونية.
ويختلف نشاط شركات التمويل الاستهلاكي بشكل كامل عن صناديق الاستثمار، إذ تقوم شركات التمويل الاستهلاكي على منح تمويلات مباشرة للمواطنين لشراء السلع والخدمات بالتقسيط، مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات والتعليم والخدمات الطبية، مقابل عائد أو رسوم تمويل محددة، بينما تعتمد صناديق الاستثمار على تجميع أموال المستثمرين واستثمارها في أدوات مالية متنوعة مثل الأسهم والسندات وأذون الخزانة والمعادن النفيسة والعقارات، بهدف تحقيق عائد استثماري وفقًا لأداء السوق.
الرقابة علي صناديق الاستثمار
وتعمل صناديق الاستثمار الحالية تحت مظلة رقابية وتشريعية كاملة، حيث تخضع لإشراف الهيئة العامة للرقابة المالية، مع وجود قواعد واضحة للإفصاح والحوكمة وإدارة المخاطر وحفظ أموال المستثمرين، إلى جانب ارتباط هذه الصناديق بأصول مالية حقيقية يتم تقييمها بصورة دورية وشفافة، وهو ما يختلف عن شركات توظيف الأموال غير الرسمية التي كانت تعتمد على تجميع الأموال دون وجود رقابة مؤسسية حقيقية أو استثمارات معلنة وواضحة.
وعلي مدار الأشهر الثلاثة الأولي من عام 2026، حقق نشاط صناديق الاستثمار طفرة قوية داخل السوق المصري، حيث ارتفع عدد وثائق صناديق الاستثمار إلى نحو 31.4 مليار وثيقة بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 20.3 مليار وثيقة فقط بنهاية ديسمبر 2025، في مؤشر يعكس زيادة الإقبال على الأدوات الاستثمارية المنظمة واتساع قاعدة المستثمرين.
كما ارتفعت قيمة صافي أصول صناديق الاستثمار إلى نحو 410.6 مليار جنيه بنهاية مارس الماضي، مقابل 316 مليار جنيه بنهاية ديسمبر 2025، بدعم من إطلاق صناديق جديدة وتوسع المؤسسات المالية في تقديم منتجات استثمارية متنوعة تشمل صناديق الدخل الثابت والأسهم والمعادن النفيسة والصناديق العقارية.
187 صندوق استثمار
وبحسب البيانات الرسمية، ارتفع عدد صناديق الاستثمار العاملة في السوق المصري إلى 187 صندوقًا بنهاية الربع الأول من 2026، مقارنة بـ172 صندوقًا بنهاية العام الماضي، وهو ما يعكس النمو السريع الذي يشهده القطاع خلال الفترة الحالية.
كما أظهرت الإحصائيات استمرار هيمنة الأفراد على ملكية وثائق الصناديق بنسبة تجاوزت 74% من إجمالي الوثائق، مقابل نحو 16% فقط للمؤسسات والشركات، بما يعكس تنامي ثقة الأفراد في هذه الأدوات الادخارية، خاصة مع سهولة الاستثمار فيها من خلال التطبيقات الرقمية ومنصات التداول الحديثة.
ومن جانبه، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن هناك خلطًا لدى البعض بين شركات التمويل الاستهلاكي وصناديق الاستثمار وشركات توظيف الأموال القديمة، رغم أن كل نشاط منها يعمل وفق طبيعة مختلفة تمامًا. وأوضح أن شركات التمويل الاستهلاكي تقوم على تقديم خدمات تقسيط وتمويل مباشر تخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، بينما تعتمد صناديق الاستثمار على إدارة الأموال واستثمارها في أدوات مالية متنوعة وفق قواعد رقابية صارمة.
وأضاف الشافعي، في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن صناديق الاستثمار بطبيعتها تحمل درجات متفاوتة من المخاطر بحسب نوع الصندوق، فالصناديق المرتبطة بالأسهم والمعادن النفيسة تعد الأعلى مخاطرة لكنها قد تحقق عوائد مرتفعة، في حين أن صناديق الدخل الثابت وأدوات الدين تعتبر الأقل مخاطرة والأكثر استقرارًا من حيث العائد.
وأشار إلى أن النمو الكبير الذي تشهده صناديق الاستثمار خلال الفترة الأخيرة يرتبط بزيادة وعي المواطنين بأهمية الاستثمار المنظم، بجانب ارتفاع معدلات التضخم ورغبة الأفراد في الحفاظ على قيمة مدخراتهم عبر أدوات مالية تحقق عوائد تنافسية.
وأكد أن الصناديق توسعت مؤخرًا في مجالات متعددة تشمل الاستثمار في الذهب والعقارات والأسهم والسندات وأدوات الدين الحكومية، وهو ما يمنح المستثمرين تنوعًا في الفرص الاستثمارية، لكنه يتطلب في الوقت نفسه فهم طبيعة كل صندوق ومستوى المخاطر المرتبط به قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
وشدد الشافعي على أن الفارق الأساسي بين الوضع الحالي وتجارب توظيف الأموال يتمثل في وجود رقابة مؤسسية قوية وتشريعات واضحة وإفصاح دوري عن الأصول والعوائد، إلى جانب خضوع الشركات والصناديق لرقابة مستمرة من الجهات التنظيمية، وهو ما يقلل من احتمالات تكرار مثل تلك التجارب غير المنظمة التي شهدها السوق قبل عقود.
في سياق متصل، أوضح الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن التشبيه الذي طرح بشأن العوائد المرتفعة لبعض صناديق الاستثمار عبر تطبيقات التداول الحديثة مع نموذج "الريان" القديم لتوظيف الأموال، غير دقيق نظرًا لخضوع هذه الصناديق لرقابة قانونية صارمة تضمن مشروعة استثماراتها، لكن بالتأكيد هناك علاقة طردية بين العائد والمخاطرة، فكلما ارتفع العائد ارتفعت المخاطرة والعكس صحيح، لذلك من الضروري الحذر من الانجذاب وراء عوائد غير مضمونة أو غير مدعومة بضوابط واضحة.
التمويل الاستهلاكي والاستثمار
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة التمييز بين شركات التمويل الاستهلاكي وصناديق الاستثمار، موضحًا أن الخلط بينهما غير دقيق من الناحية الاقتصادية والتنظيمية، كما أضاف أن التمويل الاستهلاكي يعتمد على منح قروض للأفراد وفق معايير ائتمانية صارمة داخل البنوك، تشمل تقييم القدرة على السداد ونظم متابعة دقيقة، بينما تعمل بعض الشركات غير المصرفية خارج نفس الإطار الصارم، ما قد يزيد من احتمالات التعثر في بعض الحالات.
ولفت إلى أن نسب التعثر المقبولة عادة ما تتراوح بين 1.25% و1.5%، إلا أن الضغوط التضخمية قد ترفع هذه المعدلات، وهو ما يستدعي تشديد الرقابة ووضع ضوابط أكثر إحكامًا.
دور الرقابة المالية
وأكد الإدريسي أن أي جهة تتعامل مع أموال المواطنين يجب أن تكون خاضعة لرقابة تنظيمية واضحة، مشيرًا إلى الدور الذي تقوم به الهيئة العامة للرقابة المالية في تنظيم ومتابعة أنشطة التمويل غير المصرفي والاستثمار.
أوضح أيضًا أن المنصات التي تعمل عبر البورصة المصرية وتحت إشراف رقابي مباشر تعد أكثر أمانًا، نظرًا لاعتمادها على صناديق استثمار منظمة توزع الأموال على أدوات متعددة مثل الأسهم وأذون وسندات الخزانة.
صناديق الاستثمار كبديل ادخاري
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن صناديق الاستثمار تمثل أحد البدائل المهمة للادخار في ظل تراجع العوائد البنكية، حيث تقوم على تنويع المحافظ الاستثمارية وفق مستويات مختلفة من المخاطر والعوائد، بما يتيح للمستثمر حرية اختيار الأدوات المناسبة له.
وأضاف أن وجود كيانات تعمل ضمن إطار البورصة وتحت إشراف رقابي يسهم في تعزيز الشفافية، لكنه شدد على أهمية استمرار وضع ضوابط صارمة لضمان كفاءة السوق وحماية أموال المستثمرين.
مخاطر الفقاعة الاستهلاكية
في سياق متصل، حذر الإدريسي من أن التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي قد يفتح الباب أمام ظهور فقاعة استهلاكية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم، ما قد ينعكس على استقرار الأسواق المالية نتيجة مخاطر ارتفاع معدلات التعثر خاصة في ظل عدم اعتماد شركات التمويل الاستهلاكي ضوابط صارمة في التحقق من الملاءة المالية للعملاء.