رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المعركة على الذاكرة التاريخية: توظيف المسكوكات في الصراع التوراتي بين فلسطين وإسرائيل

مسكوكات فلسطينية
مسكوكات فلسطينية قديمة

في مشهد رمزي أثار جدلاً واسعًا، رفع مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، خلال جلسة رسمية، عملةً نقدية قديمة قال إنها تعود لأكثر من ألفي عام، مؤكدًا أنها "دليل مادي" على الحق التاريخي لليهود في فلسطين، هذا المشهد لم يكن مجرد استعراض أثري، بل جزءًا من استراتيجية سياسية مدروسة تسعى إسرائيل من خلالها إلى دعم روايتها أمام المجتمع الدولي باستخدام أدوات تاريخية وأثرية.

مسكوكات فلسطينية قديمة
مسكوكات فلسطينية قديمة

كما استُخدمت عملة "الربع شيكل"، التي تم تهريبها إلى الولايات المتحدة، في حملات دعائية لتأكيد الوجود الإسرائيلي، بعد أن أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية أن هذه القطعة تعود إلى السنة الرابعة من الثورة اليهودية الأولى، المعروفة أيضًا بالثورة اليهودية الكبرى التي اندلعت عام 66م.

توظيف هذه العملات خارج سياقها الأكاديمي يثير تساؤلات حول الهدف الحقيقي من استخدامها. فبدلاً من أن تكون مجرد شواهد حضارية، تُقدَّم هذه القطع كـ"أدلة سياسية"، تُستخدم لتبرير السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في القدس والضفة الغربي.

أولًا: التوظيف السياسي للمسكوكات

تعتبر المسكوكات بمثابة وثائق تاريخية رسمية، يصعب الطعن في مصداقيتها أو التشكيك في دقتها، إذ نادرًا ما يشوبها الخطأ، وتظل مرجعًا موثوقًا عند تضارب الروايات أو غياب الوثائق المكتوبة، ومن هذا المنطلق، تُمثل المسكوكات مصدرًا أساسيًا لفهم التاريخ وحفظ ذاكرة الأمم، لما تحمله من رموز ونقوش تفضح كثيرًا من ملامح الهوية الحضارية لمن سكّها؛ فهي تكشف عن التاريخ السياسي والاقتصادي للدولة، وتعكس مدى قوتها الإقليمية وتأثيرها الدولي، فضلًا عن ما تحمله من أبعاد فنية ودينية واجتماعية. 

ورغم اثبات إن هذه العملات تمثل فترة قصيرة وغير مستقرة من الوجود اليهودي في المنطقة، ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل حصري على أحقية معاصرة في الأرض، لكن إسرائيل تتبنى قراءة انتقائية للتاريخ، تركّز فقط على فترات تتماشى مع روايتها الصهيونية، متجاهلة آلاف السنين من الحضارات العربية والإسلامية التي تركت بدورها مسكوكات وآثارًا غنية توثق وجودها العميق والمستمر في فلسطين.

ولا شك في أن هذا الاستخدام المكثف للأدلة الأثرية يهدف إلى طمس الوجود التاريخي الفلسطيني وتثبيت سردية استعمارية موجهة، دون النظر إلى أن التاريخ لا يُختزل في قطعة نقدية واحدة، وأن الهوية الفلسطينية راسخة في وجدان الأرض والناس، كما في آثارها الممتدة من الكنعانيين حتى العصر العثماني.

ثانيًا: الذاكرة الفلسطينية في مواجهة الأدلة الرمزية

بينما تستمر إسرائيل في استخدام المسكوكات كأداة ضغط سياسي في أروقة المؤسسات الدولية، غير مكتفية بالقوة العسكرية والسياسية، بل توظّف الأدوات الرمزية مثل المسكوكات الأثرية لخلق رواية تاريخية متماسكة ومقنعة أمام المجتمع الدولي، محاولة بذلك تقديم نفسها كـ"عودة شرعية لشعب قديم"، بدلاً من "قوة احتلال حديثة"، وهي استراتيجية تتكامل مع جهودها في الإعلام والدبلوماسية والثقافة.

عملة ورقية فلطسينية 
عملة ورقية فلطسينية 

لا يمكن أن تختزل الهوية التاريخية لفلسطين في عملة أو نقش، بل هي نتاج حضارات متعاقبة عاشت على هذه الأرض، من الكنعانيين إلى المسلمين، مرورًا بالرومان والبيزنطيين. وتُعد العملات الإسلامية والعربية المتنوعة دليلاً ماديًا على عمق الجذور الفلسطينية، في مواجهة السردية الإسرائيلية التي تحاول فرض رواية واحدة للتاريخ.

ويظهر ذلك أن المعركة على فلسطين لا تقتصر على الأرض فقط، بل تمتد إلى المتاحف والعملات الأثرية وأروقة الأمم المتحدة. وبينما تحاول إسرائيل تطويع التاريخ عبر المسكوكات، فإن الروايات المناهضة تواصل التأكيد على أن التاريخ لا يُكتب بقطعة نقدية، بل بفهم شامل لكل ما تركته الشعوب على هذه الأرض.

ثالثًا: التاريخ في الميزان.. بين الرواية والأثر

يبرز الدور الفلسطيني كجدار دفاع علمي وثقافي يسعى إلى فضح التوظيف الانتقائي للتاريخ ومقاومة تزييف الوعي العالمي. فقد بادرت جهات فلسطينية أكاديمية وثقافية، مثل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ووزارة السياحة والآثار الفلسطينية، إلى إصدار تقارير تفنيدية تؤكد أن القطع النقدية التي تُروّج لها إسرائيل تعود إلى فترات قصيرة ومتقطعة، ولا تمثل سيادة كاملة أو شرعية دائمة على الأرض.

وبالتوازي، يعمل الباحثون الفلسطينيون على توثيق المسكوكات الإسلامية والكنعانية والبيزنطية التي كانت تُستخدم في فلسطين على مدار قرون طويلة، لتأكيد أن هوية الأرض لم تكن حكرًا على جماعة واحدة، بل كانت ملتقى حضارات متعددة. كما تُنظَّم معارض تراثية وندوات أكاديمية في الداخل والشتات، بهدف نقل الرواية الفلسطينية إلى المجتمع الدولي بلغة علمية تستند إلى الآثار الحقيقية، لا إلى سرديات توراتية مسيّسة.

مسكوكات فلسطينية قديمة
مسكوكات فلسطينية قديمة

ومن نفس المنطلق، تحرص الجامعات الفلسطينية ومراكز الأبحاث على تدقيق الروايات الإسرائيلية علميًا، وتفنيد المغالطات التي تُستخدم في المحافل الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالقدس والمسجد الأقصى. كما تُبذل جهود حثيثة في مجال الإعلام الرقمي، حيث تنشط مؤسسات فلسطينية عبر منصات التواصل لكشف زيف "الأدلة" التي تُعرض في الأمم المتحدة أو المعارض العالمية، مؤكدة أن التاريخ يُقرأ في ضوء شواهد الأرض وهوية الإنسان.

رابعًا: تهديد العدالة التاريخية وشرعنة الاحتلال

حين تُقدَّم المسكوكات القديمة على منابر الأمم المتحدة كوثائق تثبت "السيادة اليهودية" في القدس أو الضفة الغربية، فإن ذلك يشرعن ضمنيًا سياسات الاستيطان والضم والتهويد، ويمنح غطاءً دوليًا لانتهاكات القانون الدولي.

اعتماد إسرائيل على سردية تاريخية تقوم على انتزاع رموز أثرية من سياقها الزمني وتقديمها كـ"أدلة دامغة" على حق يهودي مزعوم في فلسطين، لا يُشكل مجرد خلاف أكاديمي، بل يُفضي إلى عواقب خطيرة على الواقع السياسي والحقوقي في المنطقة. 

تُسهم هذه الرواية أيضًا في تشويه الذاكرة التاريخية الجماعية لشعوب العالم، عبر الترويج لرؤية أحادية تُقصي آلاف السنين من التاريخ العربي والإسلامي والمسيحي في فلسطين. والأخطر من ذلك، أنها تُحوّل الصراع السياسي إلى صراع ديني توراتي، يُصعّب فرص التسوية العادلة ويُذكي التوتر الطائفي في المنطقة والعالم.

على الصعيد الثقافي، تُهدد هذه الرواية بتقويض التراث الفلسطيني وطمس هويته الحضارية، من خلال محو رموز الوجود العربي والإسلامي من المناهج، والمواقع، والمراجع، واستبدالها بسردية تفتقر إلى التعددية والإنصاف التاريخي. كما تُستخدم هذه الرواية في دعم حملات التطبيع الثقافي والإعلامي، وتقديم إسرائيل للعالم كدولة "أصيلة في التاريخ"، بدلًا من كيان استيطاني حديث قائم على الإقصاء والاحتلال.

في المحصلة، فإن الاستمرار في تسويق هذه الرواية من دون مساءلة أو تفكيك علمي يُهدد بإنتاج أجيال تجهل الحقيقة، ويُساهم في إطالة أمد الاحتلال عبر تزييف الشرعية التاريخية، وهو ما يستوجب ردًا فلسطينيًا وعربيًا علميًا ومنهجيًا على كافة المستويات.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء