رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الأكاذيب والشائعات .. سلاح إسرائيل لتأجيج المواجهة العسكرية مع مصر

 الجيش المصري
الجيش المصري

تحليل يكتبه| عمرو فاروق

خلال مساعي الدولة المصرية لإقرار حل الدولتين، ووقف عملية الإبادة التي يشهدها قطاع غزة،  وتحويله إلى منقطة موبؤة إنسانيا،  لا يتوان الإعلام الإسرائيلي من إدارة معركته المسمومة ضد الدولة المصرية وأجهزتها التنفيذة والسيادية، في إطار الحملة التي تقودها منذ السابع من أكتوبر 2023، حول التنديد باختراق الدولة المصرية لـ"معاهدة السلام"، من خلال الزعم بزيادة انتشار القوات المسلحة وتمركزاتها في الداخل السيناوي، وبناء بنية تحتية عسكرية جديدة في مناطق لا يُسمح فيها سوى بوجود أسلحة خفيفة، ومدّد مدارج الطائرات في القواعد الجوية بسيناء حتى تسمح باستقبال المقاتلات الحربية فضلا عن استخدامها في تخزين الصارويخ، كشف وفق ما نشره موقع "أكسيوس" الأمريكي خلال الساعات الماضية.

عشرات الأكاذيب التي ردّدتها إسرائيل للنيل من القاهرة وقياداتها، وأسندتها وسائل إعلامية أمريكية وبريطانية إلى مصادر مجهولة، ابتداءً من موافقتها على تمرير سيناريو تهجير مواطني قطاع غزة، وغلق معبر رفح، ومنع وصول المساعدات إلى الجانب الفلسطيني، ودعم حركة "حماس" بالأسلحة، مرورًا باتهامها بتعديل شروط صفقة وقف النار، وتولّيها مسؤوليات أمنية داخل قطاع غزة، وتراجعها عن الانضمام الى  جنوب إفريقيا في دعواها المرفوعة ضدّ إسرائيل لدى محكمة العدل الدولية، انتهاءً بتغاضيها عن وجود الأنفاق السرّية ، انتهاء بتسلل أكثر من 100 مسيرة محملة  بالأسلحة إلى الأراضي الإسرائيلية عبر  الحدود المصرية.

رغم أن حالة التصعد السياسي بين القاهرة وتل أبيب، لا ترقى إلى المواجهة المسلحة في تلك المرحلة تحديدًا لاعتبارات كثيرة،  أهمها الجبهات المشتعلة والمفتوحة بينها وبين لبنان وسوريا وإيران، بجانب معركتها في العمق الغزاوي مع الأطراف والفصائل الفلسطينية، فضلًا عن أهمية القاهرة ودورها في المعادلة السياسية على المستوى الإقليمي والعربي، فإن الإعلام الإسرائيلي والدولي لا يمتنع عن نشر التقارير التي تنذر باشتعال المواجهة والتنديد والتضخيم من الإجراءات التي تتخذها القاهرة في إطار الحفاظ على حدودها الخارجية وأمنها القومي.

صحوة هارون  والتهديد العسكري المصري

 

وقد  نشر موقع "نزيف.نت" الإسرائيلي العسكري المتخصص  في فبراير الماضي،  تقريرًا تحت عنوان "صحوة هارون والاستعداد العاجل المطلوب لمواجهة التهديد العسكري المصري على حدود إسرائيل".

ورأى أن إسرائيل تواجه الآن واحدة من أكبر العمليات العسكرية وأكثرها تكلفة في تاريخها، كما اعتبر أن مصر تمتلك جيشًا تقليديًا ضخمًا في الجو والبر والبحر خضع للعديد من الترقيات والتحسينات على مدى السنوات الأربعين الماضية، بما في ذلك البنية التحتية التشغيلية الجديدة في سيناء، بالإضافة إلى العشرات من المعابر والأنفاق والجسور الجديدة فوق وتحت قناة السويس التي تم بناؤها منذ عام 2007.

ولفت إلى  أن القاهرة لديها احتياطيات ضخمة من الوقود والذخيرة والأسلحة المضادة للطائرات والمركبات المدرعة وقطع الغيار، وتوسعت كذلك في المطارات والمواني البحرية والمقرات المحصنة والمخابئ العديدة وغيرها، على نطاق واسع وبميزانيات ضخمة.

ودعا المسؤولون الإسرائيليون إلى الاستعداد على وجه السرعة لاحتمال اندلاع حرب أخرى، وتشكيل جبهة دبلوماسية وإعلامية ومالية، وعسكرية وتنموية، لتركيز وتجميع كل الموارد اللازمة، من أجل إيجاد حلول إبداعية وسريعة، وبناء قوة متسارعة وذات صلة فعّالة حتى لو كانت غير متكافئة حسب وصفه - من شأنها أن توفر استجابة تقليدية للتهديد الناشئ.

 

ضرب الترسانة النووية الإسرائيلية 

 

على الجانب الأخر وفي إطار حالة التصعيد لضرب الترسانة النووية الإسرائيلية ، جدتت مصر دعوتها لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وكل أسلحة الدمار الشامل وإخضاع جميع مواقعها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الشفافية وعدم تبني معايير مزدوجة في التعامل مع البرامج النووية في منطقة الشرق الأوسط، ويحول دون تزايد التوتر الإقليمي".

ومن جانبه صرح رئيس هيئة الاستعلامات بالقاهرة، ضياء رشوان، إن مصر لا تحب الحرب لكنها جاهزة لها، وأن إسرائيل لا ترى ولا تعرف في المنطقة من جيوش يمكن أن تدير حربًا نظامية مباشرة إلا الجيش المصري، وأن حرب 1973 حتى كانت نزهة،  أن الآن الأسلحة تطورت والمسافات قصرت والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة.

 

الحرب المقبلة بين مصر وإسرائيل

 

في كتاب "الحرب المقبلة بين مصر وإسرائيل"، المستخلص من رسالة الدكتوراه "الاستراتيجية القومية والمبدأ العسكري لإسرائيل"عام 2012، يعتقد الباحث والخبير الاستراتيجي الإسرائيلي إيهود إيلام، الذي قدّم عددًامن الأبحاث لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية، بعدما قضى سنوات عدة في فرقة الأسلحة المضادة للطائرات في الجيش الإسرائيلي، أنّ ثمة عوامل حيوية تدفع لمعركة عسكرية مرتقبة بين القاهرة وتل أبيب، في إطار سيناريوعات عدة سياسية وأمنية.

يرى إيهود إيلام، الذي عمل كذلك ممثلاً لمجلة وزارة الدفاع الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ من هذه العوامل توطين التنظيمات المسلّحة في سيناء، بما يدفع إسرائيل إلى حتمية التدخّل الفوري في العمق السيناوي تحت غطاء الشرعية الدولية لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن قلق تل أبيب من التسليح المصري، ما يدفعها لـ"حرب استباقيه"، بينما دار السيناريو الأهم حول توظيف حركة "حماس" في إشعال المواجهة بين تل أبيب وطهران وأذرعها في الشرق الأوسط، تمهيدًا لحرب إقليمية كبرى، تدفع بالقاهرة للدخول في معركة مسلّحة مع إسرائيل حفاظًا على أمنها القومي. 

يقول المحلّل الإسرائيلي في مواضع عدة من كتابه: "إنّ أحد سيناريوهات الحرب المقبلة بين مصر وإسرائيل يبدأ من قطاع غزة. صحيح أنّ حركة "حماس"، التي تسيطر على القطاع حالياً، لا تريد أن تدخل في مواجهة مع إسرائيل بشكل يُفقدها سيطرتها على القطاع، إلاّ أنّ هذا لا يمنع أنّ بعض العناصر المتشدّدة في الحركة، أو من خارجها، يمكن أن تدفعها للصدام مع إسرائيل، بما يدفع إسرائيل للردّ بإطلاق عملية عسكرية في القطاع تؤدي لإعادة احتلاله بالكامل".

يتابع المحلّل الإسرائيلي في دراسته العسكرية: "سترغب القاهرة في أن تظلّ بمنأى عمّا يحدث، سعيًا لتجنّب أي احتكاك خطير مع إسرائيل، إلاّ أنّ القادة المصريين سوف يجدون أنّه من الصعب أن يقفوا ساكنين في وقت تدمّر إسرائيل الفلسطينيين، بخاصة في حالة وقوع خسائر بشرية جسيمة بين المدنيين الفلسطينيين، وهو ما سيحدث غالبًا، في هذه الحالة لو شعر المصريون أنّ هناك مذابح بشعة تُرتكب ضدّ الفلسطينيين في غزة، فسيندفعون إلى الشوارع في تظاهرات حاشدة كتلك التي شهدها ميدان التحرير من قبل، وحتى قطاعات المصريين التي ترفض أو تعارض "حماس"، لن تجد مفرًا من الوقوف إلى جانب الفلسطينيين وهم يتعرّضون لتلك الاعتداءات الإسرائيلية، بل وربما يدفع ضغط الرأي العام العربي على صنّاع القرار المصري، إلى وقف إسرائيل بالقوة من خلال الدفع بقوات عسكرية إلى شمال سيناء. والواقع أنّ هناك عوامل خارجية يمكن أن تُسهم بنشاط في إشعال هذه الحرب، لمصلحة أطراف إقليمية أخرى، لو لم يكن الضغط الداخلي على القيادة المصرية كافياً".

في إطار مشروعه العسكري يقول إيهود إيلام: "ولو لم يكن ضغط الرأي العام كافيًا لتحريك مصر ضدّ إسرائيل، فمن الممكن حينها استغلال إيران في توريط "حماس" في حرب ضدّ إسرائيل، والدفع بالقاهرة للدخول فى معترك هذه المواجهة، إذ ترى طهران أنّ كلاً من القاهرة وتل أبيب، تمثلان تهديداً مباشراً وعائقاً في سبيل تحقيق طموحاتها النووية والهيمنة على المنطقة كلها".

 

الجيش المصري في سيناء
الجيش المصري في سيناء

يمتلك الإعلام العبري منظومة ضخمة تروّج لأباطيله وأكاذيبه، وفق استراتيجية "الكذب المُقدّس"، التي تتبعها دولة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، كي تواري بها فضائحها وهزائمها، وتخلق بها واقعًا جديدًا تزعم فيه دفاعها عن نفسها، ويتماشى مع أطروحة الدولة العصية على السقوط، فضلًا عن تعمدها التحرش إعلاميًا بالقاهرة، لمحاولة إجبارها على تمرير مشروع التهجير.

تلفيق الإشاعات والأباطيل ضدّ المفاوض المصري، يحقق في ذاته مجموعة من الأهداف السياسية، منها تعمّد الإساءة إلى سمعة الدولة المصرية بسبب موقفها الصامد أمام تمرير مشروع التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، فضلاً عن دورها في فضح الاعتداءات والجرائم الصهيونية في حق الشعب الغزاوي، وعدم رضوخها لأي إغراءات أو ضغوط أمريكية بريطانية تمهّد للمصالح الإسرائيلية، يواكب ذلك التعتيم على تحقيق الأهداف العسكرية في الحرب على قطاع غزة، فضلًا عن التمهيد للمعركة العسكرية التي تروج لها عبر منصاتها البحثية والإعلامية.

الوحدة "8200" وحرب الإشاعات ونشر الأكاذيب

 

لم تتوقف حملة الأباطيل ضدّ المفاوض المصري عند بوابة الإعلام الرسمي الإسرائيلي، لكنها انتقلت إلى ساحة الفضاء الأزرق من خلال الحسابات الوهمية التي تلعب فيها وحدة "حتساف" دورًا مهمًا في الترويج للإشاعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصناعة الفتنة، وزعزعة الجبهات الداخلية على مستوى المنطقة العربية، والتي تتبع جهاز الإستخبارات العسكرية "أمان"، تحت مظلة الوحدة "8200" المعنية بالإشراف على إدارة "الحروب الإلكترونية".

تتولّى الوحدة "8200" وتوابعها مسؤولية حرب الإشاعات ونشر الأكاذيب، واختراق أجهزة الكمبيوتر والهاتف المحمول، ورصد البيانات ذات الأبعاد الاستخبارية وتحليلها وتفكيكها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن أنها تضع قضية التطبيع في أولويات عملها، والترويج لإسرائيل ثقافيًا واجتماعيًا وفنيًا في الدائرة العربية، بجانب إشرافها على المنصات الإسرائيلية الرقمية الناطقة بالعربية.

في خضم التوترات الأخيرة، أرسلت مصر رسالة تحذير عبر الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدة أن أي محاولة إسرائيلية لاستهداف الأراضي المصرية، أو الدفع بمواطني قطاع غزة إلى الداخل السيناوي،  ستكون لها "عواقب وخيمة". 

تمتلك القيادة السياسية والعسكرية المصرية قراءة استباقية لمخرجات المشهد المرتبك بقيادة تل أبيب وواشنطن، في تعزيز وجودهما العسكري في شرق المتوسط، وأهدافهما بالتأثير في الأنظمة السياسية، بما يضمن استقرار وبقاء الدولة العبرية. ومن ثم فإنّها لن تتردّد في الدخول في أية معركة عسكرية تحافظ خلالها على أمنها القومي الذي تعتبره خطاً أحمرَ لا يمكن المساس به، أو انتزاع جزء من جغرافيتها وسيادتها، ممتلكة توقيت قرارها، مشفوعًا بثقة وتفويض شعبي واسع، يمنحها صلاحيات المواجهة مهما تخطّت التكلفة المادية والبشرية.

 

 

 

 

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء